الخميس، 31 مارس، 2016

اللغة والذات وما بعد الحداثة .


اللغة والذات وما بعد الحداثة .
أماني أبو رحمة.
ترى ما بعد الحداثة أن اللغة إحدى أهم العوائق نحو معرفة الحقيقة. فاللغة هي وسط المعرفة. ولكنها تبعا لما بعد الحداثة لا يمكنها أن تعبر عن الحقيقة بكفاية، ذلك لأن هناك شرخــًا كبيرًا بين الكلمات والحقائق التي يفترض أن تعكس فحواها. فالكلمات لن تعرض الحقيقة الموضوعية لأنها ـ أي الكلمات ـ أفكار بمعنى أنها اتفاقيات بشرية. وعليه فإننا لن نتمكن من معرفة الحقيقة الموضوعية إذا ما وظفنا هذه الاتفاقيات البشرية. وكل ما يمكننا أن نحصل عليه هو خلق الحقيقة بوساطة الكلمات. وهذا هو جوهر النظرية البنائية constructivism. وذلك يعني أننا لن نتوصل إلى تقارير كونية عامة عن الإنسان، فضلا عن أننا لن نستطيع ان نحدد ما إذا كان هناك شيئا يمكن أن نطلق عليه الطبيعة البشرية.، يقول ما بعد الحداثيين إنه لا يوجد طبيعة بشرية بحد ذاتها. نحن ما نقوله(نحن) عن أنفسنا.
هناك مشكلة أخرى مع اللغة تتمثل في حساسية ما بعد الحداثيين لما أطلق عليه فريدريك نيتشه: " الرغبة في السيطرة ". يمارس الناس السيطرة والسلطة على الآخرين واللغة وسيلتهم في تحقيق ذلك. فمثلا عندما نحدد أدوار الناس ونتحدث عن الله أو ما يأمرنا به فإننا نحدد توقعات ونصمم حدودا، وبذلك فإننا نتحكم بالبشر عبر اللغة. ونتيجة لهذه النظرة إلى اللغة وقدرتها على السيطرة والتحكم، يميل ما بعد الحداثيين إلى التشكيك بكل " السرديات " ويزعمون أن ما يقوله الناس أو ما يكتبونه ليس سوى أداة لضبط الآخرين والتحكم بهم.
نعود مرة أخرى إلى تبعات هذه النظرة على الإنسان. فإذا ما حاولنا أن نحدد الطبيعة البشرية فإننا تبعا لذلك نحاول أن نفرض سيطرتنا على الآخرين. يقول ما بعد الحداثيين إن جعل الإنسان موضوعا ـ بمعنى مادة للدرس والتحليل ـ معناه أن تُخضع ذلك الإنسان. وبكلمات أخرى أن تضعه داخل بوتقة محددة الجوانب والحدود. والنتيجة أن الطبيعة البشرية لا يمكن ان تُحدد. وتبعا لذلك فإن ما بعد الحداثة لا تعترف بما يسمى بالطبيعة البشرية. بل إنها تذهب أبعد من ذلك حين تنفي وجود الذات الفردية.
ومرة أخرى، أجد من المناسب التفصيل في نظرة ما بعد الحداثة إلى الذات الفردية individual self لأنها حجر الزاوية في علم النفس الما بعد حداثي. حدد والتر اندرسون أربعة مصطلحات وظفتها ما بعد الحداثة في تناولها لقضية الذات الفردية وموضوعات التغيير وتعدد الهويات وهي :
1- الذات متعددة العقول multiphrenia : وقد وظف المصطلح أول مرة في العام 1991 في كتاب للبروفسور كينيث غيرغن بعنوان(الذات المشبعة: معضلات الهوية في الحياة المعاصرة). ويشير المصطلح إلى أن إنسان ما بعد الحداثة يواجَه بفيض من الأفكار والأدوار والاتصالات وأنماط الحياة، بحيث إن الجوهر التقليدي لهوية ثابتة للأنا يتحلل باطراد إلى "ذات علائقية". يقول غيرغن: " عندما نحدد حقيقة ما عن أنفسنا، تتداعى من دواخلنا أصوات متعددة مشككة وربما ساخرة أيضا". إننا نلعب أدوارا مختلفة بحيث إن مفهوم الذات الأصيلة بسماتها المعروفة بدأ ينسحب من المشهد .
2- الذات المتلونة protean: تمتلك الذات المتلونة القدرة على التغير باستمرار لتتناسب مع الظروف الحالية. وقد يتضمن ذلك تغيير الآراء السياسية والميول الجنسية والأفكار أو طريقة التعبير عنها، وكذلك تغيير أساليب تنظيم الذات. ينظر البعض إلى هذه الخاصية بوصفها عملية البحث عن الذات الحقيقة. إلا أنها بالنسبة لآخرين دليل آخر على فكرة أنه لا توجد ذات حقيقية ثابتة .
3- الذات غير المتمركزة de-centered self: يركز هذا المصطلح على القناعة القائلة بأنه لا توجد ذات على الإطلاق. ذلك أنها تخضع لإعادة التحديد وللتغير باستمرار وتبعا لذلك فلا يوجد ذات خالدة .
4- الذات ضمن علاقة self-in-relation: وضعت فال بلموود هذا المصطلح للإشارة إلى إجراء المداولات الأخلاقية التي تأخذ على محمل الجد العلاقات مع الآخرين دون أن تخسر ـ حسب زعمهاـ الشخصية الفردية في إشكالية الكلانية. لا يسمح هذا النموذج ـ وفقا لبلموود ـ للمصالح الفردية المتميزة بل والمتضاربة ان تتعايش مع بعضها فحسب وإنما ان تتشارك وتتعالق بطريقة غير تعسفية. تأخذ بلموود بعين الاعتبار السياقات الثقافية التي توجد فيها الذات الفردية .
من كتابي (افق يتباعد: من الحداثة الى بعد ما بعد الحداثة).

الأربعاء، 30 مارس، 2016

الهوية في ما بعد البنيوية : (تلخيص)

الهوية في ما بعد البنيوية :
(تلخيص)
أماني ابو رحمة 
• الشخص(الذات) منقسم في الأساس، لن يصبح أبدا "نفسه" (لاكان).
• يكتسب الشخص هويته ممن خلال تمثيله خطابيا (باللغة في أغلب نظريات تحليل الخطاب).
• الهوية هي بالتالي التماهي مع موقف الشخص في البناء الخطابي.
• وتشكل الهوية خطابيا من خلال سلاسل التكافؤ حيث يتم فرز العلامات وربطها معا في سلاسل مقابلة لسلاسل أخرى وبالتالي تحديد ما هو هذا الشخص وما ليس هو .
• يتم تنظيم الهوية دائما بشكل علائقي. هذا الشخص هو لأنه يتناقض مع شيء ليس هو .
• الهوية تتتغير تماما مثل الخطابات التي شكلتها.
• الهوية مجزأة و متشظية أو مزاحة عن المركز. تمتلك هويات مختلفة وفقا لتلك الخطابات التي هي جزء منها.
• عادة ما يكون الشخص فائق التحديد overdetermined. فمن حيث المبدأ، هناك دائما إمكانية لتحديده بشكل مختلف في حالات معينة . وتبعا لذلك فان الهوية طارئة - احتمالية ولكن ليست ضرورية.

فوكو : كيف تُنتج السلطة الأفراد.

كيف تُنتج السلطة الأفراد.
أماني أبو رحمة.
في (المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن،1977)، يستعرض فوكو الطرق التي مورست من خلالها السلطة في مراحل مختلفة من التاريخ الأوروبي، ويبين كيف تم استبدال نظام السلطة الملكي بالديمقراطي. يوظف فوكو بطريقة معبرة صور المعاقبة (بوصفها مظهر التغيير): ففي حين كان الاعدام أمام الجمهور رمز السلطة الملكية، فإن رمز السلطة الديمقراطية هو التأديب والسجن بعيدا عن أعين العامة.
معنى هذا التغيير في كيفية معاقبة الخارجين عن القانون هو تغيير في تيارات السلطة التي تعمل في المجتمع: كان الإعدام العلني هو الرمز الخارجي للسلطة الملكية والذي يوظف من أعلى إلى أسفل (الملك الذي يرمز لقوة الأمة)، واستبداله بالوسائل الديمقراطية من العقاب، مثل السجن، يقول أن السلطة الآن تمارسها الأمة كلها. يقابل فوكو هاتين الطريقتين لممارسة السلطة، ويساعدنا على فهم الاختلافات:
"هذه الآلية الجديدة للسلطة تعتمد على الاجسام وماذا تفعل، أكثر من اعتمادها على الأرض ومنتجاتها. إنها آلية للسلطة تسمح باستخلاص الوقت والعمل، بدلا من الثروة والسلع، من الأجساد . وهو نوع من السلطة التي تُمارس باستمرار عن طريق المراقبة بدلا من الطريقة المتقطعة لنظام الضرائب أو الالتزامات الموزعة على الوقت. انه يقتضي ضمنا وجود شبكة متماسكة بإحكام من الإكراه المادي بدلا من الوجود المادي للسيادة".
إنها تعتمد في نهاية المطاف على المبدأ الذي يدخل اقتصادا جديدا للسلطة ، وهو أنه يجب أن يكون المرء قادرا ـــ في الوقت نفسه وعلى حد سواء ــــ على زيادة القوى الخاضعة وتحسين قوة وفعالية تلك التي تُخضعها . يدرس المفكر الفرنسي كيف أن الانضباط/التأديب، بوصفه نوعا من التنظيم الذاتي ـ يجري تتشجيعه من المؤسسات، ويصبح هو القاعدة في المجتمعات الحديثة، ويعمل بالنسبة للفرد كأداة لتغيير الواقع ونفسه: "يجب أن نتوقف مرة واحدة وإلى الأبد عن وصف آثار السلطة بمصطلحات السلبية: إنها "تقصي "، إنها "تقمع"، إنها "تراقب"، إنها "تستخلص"، إنها "تُقنّع"، إنها "تُخفي". في الواقع، فإن السلطة تنتج. تنتج الحقيقة. وتنتج مجالات الأشخاص وطقوس الحقيقة. توظف المؤسسات مختلف أنواع إنفاذ وتعزيز السلطة، مع آليات وتقنيات محددة: يبين فوكو كيف أن المستشفى، والعيادة، والسجن والجامعة تتقاسم بعض هذه التقنيات والممارسات التأديبية.

الانضباط هو قلق السيطرة الذي جرى تذويته عند كل فرد، اذ يشير إلى العلامات التوجيهية الزمنية، والموقف والوظائف الجسدية ، وتسامي الرغبات والعواطف التلقائية. كل هذه هي آثار الضغط الانضباطي ، ولكن أيضا الإجراءات التي، من خلال الضغط المفروض في البداية خارجيا، تؤدي إلى لانضباط الذاتي للفرد وفي نهاية المطاف إلى إنتاج الفرد نفسه كشخص منضبط. الميزة الأكثر أهمية في أطروحة فوكو هو الـتأكيد على الطبيعة الإنتاجية لممارسة السلطة الحديثة. لقد كان الهدف الرئيسي هو قلب المفهوم السلبي للسلطة رأسا على عقب ومنح سمة إنتاج المفاهيم والأفكار وهياكل المؤسسات إلى دورة وممارسة السلطة في أشكالها الحديثة.
بالنسبة لفوكو ، فإن الانضباط هو عبارة عن مجموعة من الاستراتيجيات والإجراءات والسلوكيات المرتبطة بسياقات مؤسسية معينة والتي تسيطر بعد ذلك على التفكير العام للفرد وعلى سلوكه.
يعمل الانضباط من خلال أربع طرق محددة :
أولا، من خلال الاحلال المكاني المحدد للأفراد والذي عادة ما يتم تحقيقة بالسجن. يفصل السجين عن زملائه قبل أن يسجن في غرفة معزولة (الفكرة ذاتها تصلح للمرضى في العيادات النفسية). ويمكن الحصول على هذا التوزيع المكاني في المجتمع بوسائل أخرى أيضا، مثل فصل الأفراد إلى مجموعات غير متجانسة (على سبيل المثال، فصل الطلاب عن العمال)، ووضع الأفراد والآلات في غرف منفصلة، كما في التخطيط المعماري للمصنع، أو من خلال العلاقات الهرمية (يعيش الجنود والضباط في غرف منفصلة). وبتعرضهم لمثل هذه المعاملات ، فإن الأفراد يتعين عليهم "معرفة مكانهم" في سياق الاقتصاد العام للمكان المرتبط بالسلطة التأديبية. ثانيا، يعمل الانضباط من خلال مراقبة الأنشطة. تميل السلطة التأديبية الى استخدام جسم الفرد للحصول على "الوقت والعمل"، بدلا من "الثروة والبضائع". الوقت "المستخرج" من الجسم من خلال رقابة صارمة على أنشطته، بمساعدة من الجدول اليومي الدقيق، وعن طريق ضبط تحركاته ضمن سلسلة من المراحل الزمنية، ومن خلال الربط بين المواقف والحركات الجسدية أو من خلال مزامنة حركة الجسم مع حركة كائن أو شيئ (كما هو الحال مع السلاح في التدريب العسكري ).
ثالثا، الانضباط  المتمثل في تنظيم مراحل التعليم، ولا سيما في الممارسات التربوية. تطور السلطة التأديبية شفرة عامة للعلاقات بين السيد والخاضع في المناطق التعليمية المختلفة، التي تُرمز قطاعات التدريس في مراحل تراتبية، كل مرحلة أكثر تعقيدا وصعوبة من السابقة. وهذا يسمح بالرصد الفعال للتقدم في اكتساب القدرات المطلوبة، ويسمح أيضا بالتمايز بين الأفراد الذين هي أكثر أو أقل مهارة.
رابعا، الانضباط نتيجة التنسيق العام بين جميع أجزاء النظام: يتم دمج الإجراءات التعليمية فيما يتعلق بجسم الفرد بآلية أكبر، والسلسلة  الزمنية هي أيضا جزء من هذه الآلية، كما أن هناك مجموعة دقيقة من الأوامر. ولإنشاء هذا التنسيق، يوظف الانضباط ما يسميه فوكو "التكتيكات" التي من خلالها "يتم زيادة انتاج مختلف القوى من خلال تجميعها المحسوب". 
والقصد من وراء هذه الأساليب هو انتاج ترتيب وانتظام. ولكن يبين فوكو أن التأثير هو عكس ذلك تماما: بناء الذات الفردية من خلال الانضباط الداخلي يؤدي إلى هويات مختلفة. فالفردانية ابتكار حداثي ، فضلا عن الادعاء الذي يفترض انه سينشأ؛ إن المجتمع يقر الفردية والاختلاف. وهذا أثر غير مقصود بل وحتى غير مرغوب فيه من المشروع التأديبي الأولي . يقول فوكو: "إن الفرد لا ينبغي تصوره بوصفه نواة ابتدائية، أو ذرة بدائية، أو مادة متعددة وخاملة جاءت السلطة لربطها قبل أن تتظاهر ضدها، وبذلك تهزم أو تسحق الأفراد. في الواقع، فان أحد الآثار الرئيسية للسلطة هو أن بعض الاجساد، وبعض الإيماءات، وبعض الخطابات، وبعض الرغبات، تحدد وتشكل كأفراد. الفرد، ليس مقابل السلطة ؛ هو، على ما أعتقد، واحد من آثارها الرئيسية ".

الاثنين، 28 مارس، 2016

النسوية والسرديات الكبرى.

النسوية والسرديات الكبرى.
أماني أبو رحمة .
تطرح  ليندا هتشيون نظرة ثلاثية الأبعاد تربط من خلالها ما بعد الحداثية بالنسوية والسرديات الكبرى. وقبل الخوض في طروحات هتشيون سنتعرض قليلًا للعلاقة بين ما بعد الحداثة والسرديات الكبرى أولًا ثم نتناول طرح هتشيون الذي ينطلق أساسًا من هذه العلاقة.

عندما حدد ليوتار حالة ما بعد الحداثة بوصفها التشكيك بالسرديات الكبرى، وضع الأسس لحوارات ومناقشات قادمة حول النظم السردية التي ينتظم حولها المجتمع البشري ويمنح خبرته صفات المعنى والوحدة والكونية . وفي نقاشاته ومجادلاته مع صاحب فكرة أن الحداثة مشروع لم يكتمل بعد: "يورغن هابرماس"، ركز ليوتار على ما اعتقد أنه السردية المهيمنة الأهم: التشريع والتحرر، مجادلًا بأن تميز ما بعد الحداثة هو في عدم اعترافها بسردية شمولية واحدة وإنما بسرديات متعددة وصغيرة لا تنشد أي ثبات كوني أو تشريعي. ومن جهة أخرى رأى فريدريك جيمسون أن كلًا من ليوتار وهابرماس في الحقيقة ينطلقان من سردية كبرى بالنسبة للأول هي الثورة الفرنسية وللثاني الهيغيلية الألمانية: فــ"الأول" يثمن الالتزام فيما يمنح "الآخر" وزنًا إضافيًا للإجماع. وبدوره انتقد ريتشارد روي كلا الموقفين. فهو يلاحظ أنهماـ وللمفارقة يشتركان في المعنى المنتفخ لدور الفلسفة في العالم المعاصر . أما هتشيون فتقول" إنه سواء كان منتفخًا أم لا فإن موضوعة دور ووظيفة السرديات الكبرى في خطاباتنا المعرفية تستحق الاهتمام والمتابعة" . وتتابع قائلة " إن أشكالًا مختلفة من النظرية النسوية والنقد قد جاء إليها من زاوية خاصة: السرديات الكبرى التي كان قلقها الأساسي هو النظام الأبوي (البطريركي)، وخصوصًا في نقطة تقاطعه أو اشتباكه مع السرديات الرئيسية الأخرى في عصرنا مثل الرأسمالية والإنسانية الليبرالية. ففي شكلها النقدي، تداخلت النظريات النسوية مع اهتمامات الماركسية وما بعد البنيوية ومع ما يسمى فن ما بعد الحداثة الذي يتمتع بالانعكاسية الذاتية والخلفية التاريخية معًا بطريقة مفارقة، ويوصف بكونه هازئًا وسياسيًا في الوقت ذاته: فلوحات جوان تود أو جويس فيلاند، وروايات سوزان سوان أو جوفير مارشيسولت، وصور جيف مايل أو إيفرجن. هذه الفنون ساخرة هازئة وليست نوستالجية في تعاملها مع التاريخ ومع تاريخ الفن" وباستجابتها لاستجواب السرديات الكبرى، تقف بعد الحداثية موقف الراغب في تفنيد المهيمنات الثقافية (النظام الأبوي والرأسمالية والنزعة الإنسانية، وغيرها)، مع علمها بأنها قد لا تستطيع النأي بنفسها عنها: ذلك أنه لا يوجد أي موقف خارج هذه السرديات الكبرى يمكن منه إطلاق نقد لا يثير الشبهة بحد ذاته. وهذا يمس الحقيقة أيضًا التي ستجعل من سياسات ما بعد الحداثية مثار تساؤلات وشبهات في نهاية المطاف. بل إن هذا الموقف المثير للشبهة هو الذي يجعل تلك السياسات معروفة ومألوفة لنا. ومن خلال هذه المفارقة في نقد ما بعد الحداثة المتواطئ للسرديات الكبرى تعقد الحركات النسوية وما بعد الحداثة شراكةً مميزة. .

الأحد، 27 مارس، 2016

تفكيك الجندر: التصنيف الكويري.


تفكيك الجندر: التصنيف الكويري.
أماني أبو رحمة

شكل تثييم التقاطعات الجندرية الخطوة النظرية الأولى نحو تفتيت ما بعد الحداثة لهذا المفهوم. كما خضعت فئة الجندر لمزيد من التحول العميق في المعنى في سياق منظور ما بعد الحداثة التفكيكي.
ترتبط التفكيكية ارتباطا وثيقا بما بعد البنيوية، وتذهب بتبعات اللا ـــ جوهرية الى أقصاها. ويوظف مصطلح "التفكيكية" استجابة لدعوة هيدجر لتدمير المفاهيم الغيبية (الميتافيزيقية). ليس من السهل أن تعطي تعريفا للتفكيكية. كما أن منظري هذا الخط من الفكر يتهربون عمدا من أي محاولات لتعريف أي مفهوم. ويمكن القول أن (تفكك) يعني أن تتبنى المعنى الذي يسلط الضوء على الافتراضات الضمنية، والتحيزات المخفية، والتناقضات بين فئات الفكر التقليدي. للتفكيكية وجوه كثيرة، كما انها لا تعترف بالتسلسل الهرمي: لقد تم تكوينها بوصفها منهجية لقراءة فئات الميتافيزيقا التقليدية، والتي تهدف إلى تسليط الضوء على الثغرات والكسور، والانقطاعات، والهياكل الإيديولوجية، بدلا من الوحدة المزعومة والتفرد المنسوب للمعنى الجوهري. أن (تفكك) يعني أن تلتقط التنافرات والمفارقات التي تقوض مزاعم تحقيق الحلم الشامل الواعي للتنظير المنهجي.
 انطلاقا من التفكيك كان هناك تحول لغوي ودلالي إلى المنهج التفكيكي"deconstructionis" الذي يصنف على أساس الأنماط المعتادة من تاريخ الفلسفة، بوصفه الفكر غير القابل للتصنيف في الحقيقة، لأن التصنيف يحد في نهاية المطاف من نطاقه. يشير المنهج التفكيكي الى عدمية مزاعم ما بعد الميتافيزيقية بالوصول الى المنهجية والواحدية. التفكيك هو اعادة الدفاع عن "الآخر"، الذي يفهم بانه ما قد غُفل عنه واستبعد من أي تصنيف. وينفي إمكانية وضع المفاهيم والمعاني الفريدة والمطلقة. انه منفتح على تعدد المعاني التي لن تكون قابلة للفهم أو الصياغة التامة كما في التحول الثابت. كل معنى ليس سوى أثرا لمعاني غائبة ممكنة، وهو كناية عن شيء غير موجود هنا. ترتبط ما بعد البنيوية ارتباطا وثيقا بالتفكيكية. فالبادئة "بعد"، التي تميز هذا التيار الفلسفي عن البنيوية، تدل على إنهاء تبعات المفاهيم حتى انحلالها في اتجاه التفكيكية ما بعد الحداثية. يتعارض هذا الفكر مع كل بناء (ينظر إليه على أنه شكل خفي من المجال)، بوصفه كلاني عضوي قابل للتفسخ إلى عناصر يتم تحديد قيمتها الوظيفية من خلال علاقات مجموعية بين كل مستوى مستقل وجميع المستويات الاخرى. وتهدف ما بعد البنيوية إلى التفكيك، بمعنى، فضح وهز اساسات كل ادعاء بتحديد الهياكل، من أجل تمجيد الفوضى وعدم التنظيم، بوصفه تحررا من القمع الذي تفرضه أي سلطة هيكلية منظمة.
تمثل التفكيكية ما بعد البنيوية تغييرا جذريا في طريقة فهم التصنيف الجندري، مما قاد الى انحلال المعنى ذاته. تعتقد البنيوية الاجتماعية أن الجندر كان نتاج التنشئة الاجتماعية، وبالتحديد بناء المعنى في مجتمع معين، في حقبة تاريخية، ضمن ثقافة معينة. تذهب التفكيكية أبعد من ذلك وتفسر نتائج البناء الاجتماعي بوصفه هيكلا أنتجته ونظمته السلطة والذي ينبغي، بالتالي، تفكيكه.
الجندر بوصفه بناء اجتماعيا هو "قناع إلزامي" مفروض من أعلى، ومرتكز على خلق تسلسل هرمي اجتماعي: وهو بناء خيالي، دون أي أساس أو مأسسة. لا شيئ أمامه أو خلفه: وفي الواقع، فإن السلطة تتخفي وراءه. والطبيعة هي مجرد افتراض، لأنه يجري بناؤها من قبل السلطة مثلها مثل المجتمع. ووفقا لهذا المنظور، بات من الضروري تفكيك الهياكل، وفضح السلطة، وإلغاء كل تنظيم وتسلسل هرمي. وذلك للسماح بحرية التعبير للفرد المتعدد المتشظي الذي جرى اقصاؤه من النظام الاجتماعي الذي هيكلته السلطات. وفي هذا السياق فإن البناء الاجتماعي للجندر يتم تفكييكه، لإعطاء مساحة للبناء الفردي.
وإذا كانت البنيوية الاجتماعية قد أبعدت وفصلت الجنس الطبيعي عن الجندر المركب اجتماعيا وثقافيا، فإن التفكيكية ما بعد البنيوية تخلت أيضا عن الجندر الاجتماعي والثقافي، وتحركت بعييدا نحو انكار الجنس الطبيعي، وأفسحت المجال لل"الجندر الفردي". وكما ان الجندر الاجتماعي والثقافي قد لا يتوافق مع الجنس الطبيعي، فإن "الجندر الفردي" يمكن أيضا أن لا يتوافق مع "الجندر الاجتماعي". وباختصار: فإن الفرد هو الذي يقرر الجندر الذي يرغب به ويريدة شخصيا، بغض النظر عن الطبيعة والمجتمع. نقطة البداية وجذر الجندر في منظور ما بعد الحداثة، هو الفرد، وليس الطبيعة ولا المجتمع.
تشير نظريات ما بعد الحداثة المتعلقة بالجندر صراحة إلى المفهوم الذي طوره ميشال فوكو. وعلى الرغم من أن فوكو لم يتحدث مباشرة عن الجندر، إلا أن كتاباته مهدت لتنظير ما بعد الحداثة لهذه الفئة. ينفي فوكو الجنسانية (النشاط الجنسي) sexuality الطبيعية، ويقول انها نتيجة لعملية معقدة من البناء الاجتماعي. يتحدث فوكو عن تأريخ الجنسانية وأيضا عن التنشئة الاجتماعية لها. وفي رأيه، أن الحياة الجنسانية ليست جوهرا ثابتا متأصلا في البشر، فهي نتاج التاريخ والمجتمع والسياق، ولكن أيضا وقبل كل شيء الخطاب والسلطة، وتحديدا "السلطة الحيويه". وكجزء من مفهوم التاريخ بوصفه "تواصل" ممارسات قمعية يتم تنفيذها من خلال المؤسسات التي أنشأتها السلطة للسيطرة على المجتمع، يتتبع فوكو جينالوجيا أو اركيولوجيا الرغبة الجنسية. إذا كانت الجنسانية تُحكم في ما قبل الحداثة من خلال الخطاب الديني والأخلاقي فإن الحداثة قد أدخلتها الى الخطاب العلمي، في سياق العلوم الطبيعية بوصفها مجالا محددا ومستقلا نسبيا. وفي المنظور الفوكوي فإن السلطة الحيوية هي التي طورت خطابات الجنس للسيطرة على جسد الإنسان من خلال تنظيم المواليد والسكان. ووفقا لفوكو فإن الرغبة الجنسية هي منتوج خطابي واختراع اصطناعي من قبل السلطة، باعتبارها "أداة للهيمنة" 'أو "آلية للسيطرة ''. كل فئة اجتماعية هي هيكل تنظيمي، يحدد الأجساد ويخصص السلوكيات بطريقة إلزامية، ويقصي الأجساد والأفعال والرغبات الأخرى المخالفة. تمتلك الهويات وظيفة اجتماعية في تنظيم والسيطرة على الأجساد والسلوكيات من خلال آلية المكافأة / العقاب، وتعد الأجساد والسلوكيات "عادية" و "طبيعية" مقارنة بما قد يعتبر "غير عادي " و"غير طبيعي"، وبالتالي مريض أو منحرف أو حتى مجرم. انها السلطة، من خلال الكلام واللغة والمجتمع، هي التي تمنح معنى للاجساد والممارسات والرغبات. أصبح المنظر الفرنسي نقطة مرجعية لتحالف ما بعد البنيوية والنسوية. على الرغم من أن فوكو كتب القليل من الاشارات الصريحة إلى النساء بوصفهن قضية خاصة كما فعل في قضية الجندر في أعماله، الا أن تحليلاته الفلسفية للعلاقات بين السلطة والجسد والجنسانية قد اثرت في بعض الاتجاهات النسوية. ساهمت فكرة فوكو أن كلا من الجسد والنشاط الجنسي هو بنيات ثقافية بدلا من كونها ظواهر طبيعية للنسوية، في النقد النسوي وما بعد النسوي للجوهرية.
بهذا المعنى فإن نظريات الجندر، في سياق ما بعد النسوية وما بعد الحداثة، تصبح مواضيع تطبيق هذا النهج. عملت العديد من النظريات على تفكيك الجنس الاجتماعي والجندر، معتبرة ذلك خطوة هامة لتحرير الجسد والهوية والذاتية الفردية من ادعاء الجوهر الطبيعي أو الاجتماعي، الذي يفترض انه واحد، بسيط، متجانس، ساكن ومستقر. يحطم هذا المنظور الهوية إلى تحديد معقد، غير متجانس وحيوي باعتبارها عملية. ويترتب على ذلك رفض كل الفئات: حتى فئات الجنس ذاته والجندر. وقد أفرغت كل فئة من المحتوى و باتت توظف على مضض، لأنها تفترض دائما التنظيم والدلات اللفظية المفاهيمية.
ومن الجدير بالذكر الاشارة، حتى لو أنها ليست هدف المقال، إلى بعض استجابات النظريات النسوية للمنظور الفوكووي .
هناك انتماءات وتوترات بين نظرية فوكو والنسوية المعاصرة . ففي حين أن هناك اتفاقا على أن مفهوم فوكو للسلطة يحتوي على اضاءات هامة للنسوية، إلا أن النسويات لا زلن منقسمات حول الآثار المترتبة على هذا المفهوم على النظرية والممارسة النسوية. وأكدت بعض النسويات على قيود معينة في فكره، على سبيل المثال في المجال السياسي فيما يتعلق بتعزيز استقلال المرأة: حيث يبدو ميل السلطة لاختزلال الأفراد إلى "أجساد منصاعة" إشكاليا، ويقوض الأهداف التحررية النسوية و قدرة المرأة على مقاومة السلطة.
فهم فوكو للموضوع، باعتباره تأثير السلطة، يهدد تحرير النساء ويبشرهن بالقمع الأبدي. ترتكز الاعتراضات النسوية على فوكو حول مسألتين: نظرته للذاتية بوصفها شيدت من قبل السلطة وفشله في تحديد المعايير التي تغذي مشروعه النقدي، كما أنه لا يترك أي مساحة لمقاومة السلطة. فإذا كان الأفراد هم الآثار المترتبة على السلطة و"الأجساد سهلة الانقياد" التي تتشكل من خلال ذلك، فإنه يصبح من الصعب، بل من المستحيل شرح من يقاوم السلطة.
هذا فضلا عن أن وصف فوكو المحايد معياريا للسلطة يحد من قيمة عمله للنسوية لأنه فشل في توفير الموارد المعيارية اللازمة لانتقاد هياكل الهيمنة وتوجيه البرامج نحو التغيير الاجتماعي.
وظفت بعض النسويات مفهوم فوكو للسلطة من أجل تطوير تحليل أكثر تعقيدا للعلاقات بين الجندر والسلطة بحيث تتجنب الافتراض الهيكلي البنيوي. وعلى أساس فهم فوكو للسلطة بوصفها "تُمارس" بدلا من أن "تمتلك"، كما" تدور "في المجتمع بدلا من أن "تنطلق من الأعلى"، وبأنها "مثمرة / تأسيسية" بدلا من "قمعية"، سعت الحركات النسائية لتحدي طرح العلاقات الجندرية من منطلق نموذج الهيمنة / الإيذاء إلى فهم جديد لدور السلطة في حياة المرأة، مستكشفة سبلا جديدة تساعد المرأة على أن (تفهم وتختبر وتتصرف) داخل تحولات المجتمع. وإذا كان البرنامج السياسي التحرري النسوي يهدف إلى التحرر الكامل للمرأة من السلطة، فإن النسوية المتأثرة بفوكو تركز على المستوى السياسي الدقيق لتحديد إمكانيات ملموسة للتغيير الاجتماعي، مركزة على الجسد بوصفه الموقع الرئيسي للسلطة في المجتمع الحديث.
في سياق التفكيكية ما بعد البنيوية فإن تصنيف الجندر هو ما قاد الى نظرية الكوير Queer. والكوير لغة(الانجليزية) يعني الغريب، والعليل، والمنحرف. وقد كانت المفردة في الأصل تستخدم لتوصيف الاحساس بالازدراء، الا أنها الآن توظف بفخر من قبل أولئك الذين كان ينظر إلىهم بازدراء مع مثل هذه الصفات. تقدم نظرية الكوير في بعض جوانبها استمرارية مع النظريات الجندرية، كما انها تقدم عناصر جديدة اكثر تطرفا في جوانب اخرى، تجعلها منفصلة عن الفكر السابق.
نظرية الكوير، وإن كانت تتأثر جزئيا بتيارات معينة من الحركة النسوية، لا تعرض مسألة خضوع المرأة أو إخضاعها بوصفها ثيمة أساسية للتفكير والعمل. هناك عنصران يشيران بطريقة ابتكارية للكويرية وهما: تعدد الأشكال polymorphism وشمولية تأثير الجنس pansexualism.
ويعبر عن التعددية الشكلية في المَشْكلة الراديكالية للثنائية الجنسية وانكارها. تشير الكويرية إلى طريقة التفكير والعيش والجنسانية على النقيض من ثنائية الذكر والانثى الجامدة . هذه المسألة كانت موجودة بشكل هامشي فقط في التفكير الحداثي عن الجندر. علما بان اجزاء منها قد تناولها  جون موني والنسوية الراديكالية. ترتكز الكوير على قيمة الرفض الصريح لأي شفرة ثنائية متقابلة.
توسع الكوير صراحة فئة الجندر لتشمل، بالإضافة إلى الإشارة إلى الجنس، الإشارة أيضا إلى النشاط الجنسي أو الجنسانية أو التوجه الجنسي، وهذه هي مجموعة من السلوكيات والمواقف والأفعال والرغبات التي تهدف إلى الارتباط بالآخر، وجذب انتباه الآخر (حيث يجب أن يفهم الانجذاب بالمعنى الايروتيكي فضلا عن العاطفة والشعور الرومانسي).
تتجاوز الكوير دراسات الجنسانية من خلال نظرية شمولية تأثير الجنس pansexualism، التي تُمشكل وتنفي العلاقة مع الجنس الآخر المغاير بوصفها امتيازا في المجتمع. هناك انتقادات قوية لكل من التميز لصالح الغيرية الجنسية heterosexism، الخطاب الغيّري البحت (الهترونورماتيف) heteronormativity، هيمنة الذكور الغيريين في المجتمع heteropatriarchy.
وتعتبر الكوير كل الميول الجنسية متعادلة، سواء تم التعبير عنها تجاه الجنس الآخر أو الجنس نفسه أو نحو كلا الجنسين. فهي تمجد omnisexuality، polysexuality وmulitsexuality، حيث كل تفضيل جنسي مبرر بمجرد التعبير عنه في اللحظة وعلى النحو الذي يعبر عنه.
لذا فإن الكوير هو مصطلح غير متبلور ومنفتح : مرن، ومائع، متغير، فئة قابلة للاختراق ضد الثنائيات المغلقة، الجامدة، الثابتة، والثنائيات غير المنفِذة.
يمثل الكوير كل شيء ولا شيء. تظهر التعبيرات المتكررة "لا هذا/ ولا ذاك، "أو "إما هذا/ أو ذاك" التناقض والغموض الذي يحطم الثنائيات المتعارضة في ازدواجية الذكر والانثى . وغالبا ما يشار إلى كوير بــــ"مصطلح المظلة" الذي يشير إلى العديد من النظريات التي لديها قاسما مشتركا في الحد الأدنى: تحرير كل النشاط الجنسي من أجل "تطبيع" كل ما كان يعتبر "غير طبيعي".
يشير الاختصار LGBTI الموظف على نطاق واسع إلى المثليين والمثليات وثنائيي الجنس والمتحوليين جنسيا وجندريا والمخنثيين. والميزة المشتركة بينهم هو بناء هويات جنسهم على اساس معارضة الحتمية البيولوجية والجوهرية.
والهدف هو مَشْكلة ممارسة الشكل الجنسي القائم على ثنائة الذكر والأنثى، ومركزية الغيرية الجنسيةheterocentrism الجامدة على المستوى النظري والصمود في وجهها عمليا. تخط الكويرية، كما تزعم، نوعا من التضامن بين أفرادٍ وجماعات داخل المجتمعات، يختلف كل منها عن الآخر، ولكن انضم إليه رغبة في استفزاز النموذج التقليدي وانتهاك وزعزعة استقرار القواعد الاجتماعية المعتادة، بهدف تفكيك أي اختلاف وعدم مساواة، من أجل تحقيق المساواة بمعنى التكافؤ.
ترفض نظرية الكوير أي تسلسل هرمي وتنبذ التمييز بين المركز والطرف، والابتدائي والهامشي فيما يتعلق بالهوية الجنسية وكذلك بالتوجه الجنسي. وتعتبر التمييز سببا في التسلسل الهرمي الذي يعززها بدوره، موسعا المسافة بين الطبيعي الذي يعتبر متفوقا وغير الطبيعي الأقل شأنا.
يمكن للمرء ـــ حسب الكويرية ـــــ أن يكون إما امرأة في جسد انثى أو رجلا في جسد ذكر أو امرأة في جسد رجل أو رجلا في جسد أنثى، سواء عن طريق تحويل الجسد (المتحولون جنسيا)، وكذلك عن طريق قبول الغموض، والتهجين، وتعايش الذكورة / الأنوثة في جسد واحد.
كما يمكن للمرء أن يكون غيريا، أو مثلي الجنس، أومخنثاً. تعلي الكويرية من حالة ثنائية الجنس في جسد واحد أو الإنترسكس أو الخُنُوثَة ( Intersexuality) بوصفها حالة جنسية وسيطة "بين" و"أبعد" من حالة الذكورة والإنوثة، باعتبارها المتغيرات بين قطبي الحتمية الجنسية (الذكر والأنثى) وجزء من الطيف المتصل بفروقات دقيقة بين الذكر والأنثى، والأنثى والذكر.
 يعد إدراك أن هناك خمسة أجناس ــــ إذ بالإضافة إلى الذكور والإناث، نجد الخنثوى الذي جَمَعَ بَيْنَ الذُّكُورَةِ والأُنُوثَة hermaphrodites (هيرمس)، والخنثى المذكر (merms) والخنثى المؤنت (ferms) ـــــ حقيقة إيجابية وليس سلبية أو مرضية بالضرورة. كما أن عدم توافق الهرمونات، والغدد التناسلية، والأعضاء التناسلية الداخلية والخارجية والخصائص الجنسية الثانوية يتوسع كميا ويوضح نوعيا حالة وتصنيف الجندر (ما يسمى ب 'الجندر الإضافي").
تصبح الذكورة أو الأنوثة "مسألة درجة"، تتفاوت في النسبة والشدة من فرد إلى آخر، بناء على وجود أو عدم وجود خصائص معينة.
تعتبر نظرية الكوير أنه من المناسب بل من الواجب تعيين الافراد ذوي الغموض في الأعضاء التناسلية ب "الجندر الثالث"، لا ذكر ولا انثى بل ذكر وانثى معا. وهذا هو المنظور الذي يرى أن كل شخص ينبغي أن يكون قادرا على اتخاذ خيار شخصي فيما يتعلق باعادة تعيين جنسه أو حتى قبول حالته، حتى لو كان خنثى دون اجباره على "التطبيع" القسري، بمعنى تأنيث الذكر أو تذكير الأنثى. لذا فإن العلاجات الهرمونية أو الجراحة التي لا رجعة فيها للأطفال تعتبر غير مشروعة، من أجل أن الفرد يمكن أن ينمو في حالة ثنائيي الجنس ثم يقرر ما يريد عند البلوغ (أو لا يقرر) على أساس رغبته الفردية.
الكوير حاسمة تجاه تغيير الجنس، الأمر الذي يرفض التحول إلى جنس معين تبعا للجندر، والا فإننا، من وجهة نظرها، سنرتد الى الثنائية الجنسية.
تفضل الكوير عدم التحديد الجنسي على التحديد. وحالة المغايرة في الهوية الجندرية مفضلة على تغيير الجنس. المغاير الجندري هو شخص يعبر عن هويته الجندرية في الجسد والسلوك بطريقة عابرة أو مستقرة، وهذه الهوية منفصلة وغير متفقة مع الجنس البيولوجي. وترد أنواع جديدة: المرأة المتحولة او العابرة وهو الفرد الذي ولد ذكرا ويعيش كأنثى، والرجل العابر، وهو الفرد الذي ولد انثى ويعيش كما ذكر. ولكن أيضا الفرد الذي يجمع بين صفات ومواقف كل من الذكور والإناث في الوقت نفسه أو يتأرجح من أحد الجنسين لآخر بكل سهولة.
الكويرية، بوصفها نظرية نقدية، هي أي هوية متعددة، جمعية أو متغيرة. وأي سلوك يعد عموما انحرافا عن / وانتهاكا للتقليدي. تسلط الكويرية الضوء على الاختلافات وعلى اللا-اختلافات في الوقت نفسه، وبذلك فإنها تستجوب الهويات الثابتة والمستقرة والمتوافقة إنها تفكك التمثيلات الفردية والاجتماعية؛ كما انها تعزز غير المحدد وما يتعذر الجزم فيه، في البحث الدينامي عن الهوية متعددة الأشكال.
في هذا المنظور، فإن الهوية غير موجودة: التعريف فقط هو الموجود، وذلك لأن هياكل الهوية متجهة دائما للتغيير ولا بد من تجاوزها وفقا للخبرات اليومية. ومن هنا يمكن النظر الى الجسد بوصفه "مشبكاً " للهوية التي تفهم بوصفها وسيلة للحياة متغيرة باستمرار. يصبح الجسد مكانا تتداخل فيه معان عديدة، تتغيير بشكل مستمر في وقت واحد أو تعاقبي. ويشار أيضا الى هذا المنظور ب"criss-crossing" أو" الخلط "لأنه يعزز تقاطع، واختلاط، واضطراب التركيبات بين الذات والآخر. الارتباك والتعقيد الجنسي هو المهيمن وفقا لنظرية الكوير، وتدعي النظرية أن ذلك موجود أيضا في بعض الثقافات، وفي الحيوات غير البشرية.

السبت، 26 مارس، 2016

الرواية التاريخية وما بعد الحداثة.

الرواية التاريخية وما بعد الحداثة.
أماني أبو رحمة.
يعد كتاب (شعرية ما بعد الحداثة ) لليندا هتشيون الطرح الأكثر تأثيراً للرواية التاريخية في تجليها الخاص أواخر القرن العشرين. أبرزت هتشيون في تناولها لما رواء القص التاريخي مشكلة التمثيل، معتبرة أن ما وراء القص التاريخي يدحض سلطة التاريخ من خلال تحدي "الافتراضات الضمنية للبيانات التاريخية: الموضوعية، والحياد، واللاشخصانية، وشفافية التمثيل ". أدى هذا الطعن إلى تآكل "أرضية الثقة التي يقوم عليها التمثيل والسرد"، على الرغم من أنها تقول إن ما وراء القص التاريخي (التأريخ) قد كتب أولاً، ثم أفسد تلك الأرضية. وبالنسبة لما وراء القص التاريخي فإن المراجع المشتركة من التاريخ والقص لن تكون أبداً خارج واقعية أو حقيقة النص، بل أنها نصوص أخرى فقط. لا يمكن أن يعرف التاريخ إلا من خلال آثاره، والتي هي دائما مؤدلجة ومرمزة باستطراد "مفسرة بالفعل". وبمعنى ما فإن السؤال بالنسبة لما وراء القص التاريخي والتأريخ ما بعد الحداثي لا يزال هو نفسه بالنسبة للرواية التاريخية التقليدية والتأريخ في القرن التاسع عشر: "إن الماضي موجود بالفعل والسؤال هو: كيف يمكن لنا أن نعرف الماضي اليوم – وما الذي يمكننا أن نعرفه عنه ؟"
ولكن الاختلاف البارز هو أن التأريخ والرواية التاريخية في القرن التاسع عشر كانت معززة بالثقة أن الماضي يمكن أن يعرف، إلا أن هذا التأكيد قد تلاشى في ما وراء القص التاريخي و التأريخ ما بعد الحداثي. وفي الواقع فقد وضعت هتشيون ما وراء القص التاريخي في علاقة خلافية مع الرواية التاريخية التقليدية, حين قالت " إنها تمشكل كل شيء في الرواية التاريخية التقليدية الذي كان لا يقبل الشك أو المساءلة ". فضلاً عن أنها تزعزع المفاهيم الواردة من الرواية والتاريخ على حد سواء ". ولا بد من القول إنها تزعزعهما معا ولكنها لا تقضي عليهما " ذلك أنها ترفض تعويض خسارة أي منهما، أو انحلاله، إلا أنها مستعدة تماما لاستغلالهما ".
وهذا بالتحديد هو النمط البنيوي المميز لما وراء القص التاريخي الذي صاغته هتشيون: الكتابة غير الجدلية ومن ثم الإنقلاب على المبادئ التأسيسية التي تسعى إلى مساءلتها.
يُبرز ما وراء القص التاريخي اشكالية تمثيل التاريخ والمفارقة، خلافاً للرواية التاريخية التقليدية التي تبرز الانحلال والكمال. ويوحي مصطلح ما وراء القص التاريخي بالتركيز على إنتاج النصوص, والطريقة التي تبني بها المعنى. وبفضل انعكاسيتها الذاتية المفرطة, كما تقول هتشيون، فإن روايات ما وراء القص التاريخي، أكثر اهتماما باستكشاف الكيفية التي يبنى بها الماضي من خلال النصوص، من انخراطها في "استعادة" أو "إحياء" التاريخ .
يتضح اهتمام الرواية التاريخية المعاصرة بقضية اشكالية التمثيل على حساب صورة التاريخ، في كتابات كتاب آخرين وظفوا صيغة هتشيون. الأمر الذي حدا بوستلغ إلى القول في معرض مناقشتها لرواية ما بعد الحداثة التاريخية، إن "الكُتاب في ما بعد الحداثة لا يرون أن مهمتهم نشر المعرفة التاريخية، ولكن التحقيق في طبيعة المعرفة التاريخية وإمكانيتها وتوظيفها ،من منظور ابستمولوجي أو سياسي ".
أثبت تناول هتشيون دقته وصحته في فهم تلك النصوص التي تبرز مشكلة التمثيل، والتلاعب التهكمي التي تقوض حتى محاولاتها الذاتية في تصوير الماضي، إلا أنها قاصرة عن فهم النصوص التي تتحاشى تلك الصيغة، أو التي تجمع بين هذه الصيغة و مجموعة من المواقف الأخرى تجاه الماضي، بدءا من المسافة الساخرة إلى التماهي الوجداني.
 فعلى سبيل المثال نجد أن روايات سارة ووترز الفيكتورية الزائفة تعكس الطريقة التي شيد بها التاريخ، ولكن ذلك متضمن في الرواية بوصفه اهتماما ثيمياً، بل إن الروايات أكثر جدية وتعاطفاً من كونها ساخرة أو مفارقة في تمثيلها للماضي الفيكتوري. وكما يقول برايان ماكهيل أن هتشيون ـ في جعلها لهذا الجنس الأدبي ممثلا لنظرتها الى ما بعد الحداثة بوصفها نقدية ومتواطئة ـــ قد فشلت في تناول الأصداء الفريدة لكل نص على حده :" ما يدهش المرء آجلاً أو عاجلاً هو مقدار التشابه في قراءاتها ( يقصد هتشيون)، فهل يمكن أن تعني كل هذه الروايات المعنى نفسه.


الخميس، 24 مارس، 2016

ليندا هتشيون وسياسات ما بعد الحداثة .


ليندا هتشيون وسياسات ما بعد الحداثة .
أماني ابو رحمة .
تشير هتشيون إلى ميل أعمال ما بعد الحداثة إلى انتقاد صيغ التأثير الحداثية النخبوية والشمولية في بعض الأحيان، وتقصد بالطبع تلك الصيغ التي تطمح إلى (التغيير الراديكالي) ابتداءً من صيغ لودفيج ميس فان دي رو إلى باوند واليوت، ناهيك عن سيلين". توضح هتشيون أيضًا إصرار الحداثيين على إحداث التغيرات الجذرية دون الاعتراف بالثمن الذي يجب دفعه مقابل المواقف الأكثر تطرفًا للمفكرين الحداثيين (على سبيل المثال: الفاشية، والمستقبلية، والبدئية، والفوضوية، وغيرها). كما أنها تتشكك بفاعلية المشاريع النخبوية الحداثية في أن تؤسس لنقدٍ سياسي. أما إذا كان هناك ما يميز ما بعد الحداثة عن الحداثة فإنه "وفقا لهتشيون" علاقة ما بعد الحداثة بالثقافة الجماهيرية. ففي حين تعرِّف الحداثة نفسها من خلال استبعاد الثقافة الجماهيرية، إذ دفعها خوفها من التلوث بثقافة الاستهلاك المتنامية من حولها إلى تبني منظورٍ حصري ونخبوي فيما يتعلق بالجماليات والشكلانية واستقلالية الفن، فإن أعمال ما بعد الحداثة لا تخشى التفاوض مع "العلاقات المختلفة الممكنة (التواطؤ أو النقد) بين أشكال الثقافة العالية والشعبية". قدمت هتشيون في (سياسات ما بعد الحداثة) التصوير الفوتوغرافي بوصفه أنموذجًا مثاليًا، لأنه "يتحرك بعيدًا عن فلسفة السحر والنرجسية التي غالبًا ما تكون احتمالًا كامنًا في المرجعية الذاتية، إلى العالم الاجتماعي والثقافي الذي يمطرنا بوابل من الصور الفوتوغرافية يوميًا ".  تطلق هتشيون على هذه الأعمال المعاصرة وذات المرجعية الذاتية (الحداثة المتأخرة) بدلًا من ما بعد الحداثة لأن "هذه التطرفات الشكلية هي بالضبط ما يتوجب استجوابه من قبل الأسس التاريخية والاجتماعية للرواية والتصوير الفوتوغرافي ما بعد الحداثي".   تتضمن التقانات الأخرى التي تربطها هتشيون بأعمال ما بعد الحداثة: نزع الطبيعية عن الطبيعي (de-naturalization of the natural ) بمعنى رفض عرض المعنى المركب في الواقع بوصفه شيئا متأصلًا في ذلك الذي يجري تمثيله، واستجواب التمييز بين الرواية والتاريخ ((وبذلك فإنها ـ أي ما بعد الحداثة ـ تؤيد رأي ما بعد البنيوية في أن ما يطلق عليه التاريخ الموضوعي قد تأثر في الحقيقة بالبُنى الاجناسية والأيديولوجية وبالتراكيب الصناعية كالسرد تمامًا))، فضلًا عن اعترافها بتأثير الحاضر على معرفتنا بالماضي، وباعتمادنا على النصية، وأيضًا اعترافها بمحدودية المنظورية الفردية في فهم الماضي أو حتى الحاضر. تتميز ما بعد الحداثة بنزع الطبيعية عن الجنسوية والجنس. فالنسوية " جعلت ما بعد الحداثية تفكر ليس في الجسد فحسب، وإنما في جسد المرأة تحديدًا، وليس في جسد المرأة فقط وإنما في رغباته، وتفكر في كليهما بوصفهما بُنى اجتماعية وتاريخية عبر التمثيل ـ
يمكن أن يعرف التمثيل بأنه تركيب أو بناء جوانب من الواقع/الحقيقة مثل الناس أو الأماكن أو الأحداث أو الهويات الثقافية أو غيرها من المفاهيم المجردة في بنية ما. تربط هتشيون بين سياسات التمثيل ونزع الطبيعية في ما بعد الحداثة حين تقول: "إن ما بعد الحداثة تتحدى افتراضات التمثيل المرتكز على التقليد والمحاكاة" . أي أن ما بعد الحداثي يقوم بنزع الطبيعة الأصلية عن الواقع الذي افترضت الايديولوجيا أنه الحقيقة من خلال توظيف تقانة الترميز المزدوج: البناء ثم التخريب. وبالتوازي مع تحطيم الحواجز بين الأشكال الثقافية العالية والشعبية، فإن أهم استراتيجية تميز جماليات أعمال ما بعد الحداثة عن الحداثة هو الباروديا أو التهكم الساخر. تسمح تلك الاستراتيجيات مجتمعة لأعمال ما بعد الحداثة أن تحتفظ بنقد فاعل ومتواصل لما بعد الحداثية دون أن تقع فريسة للاعتقاد بأنه لا يمكن للمرء أن ينجو من التواطؤ مع الإيديولوجيات التي تحدد إحساسنا بالواقع في حالة ما بعد الحداثة.  وتبعًا لهتشيون أيضًا فإن أحد أهم السمات التي تميز ما بعد الحداثية عن الحداثية هو حقيقة أنها " تأخذ شكل الوعي الذاتي، والتناقض الذاتي والتقويض الذاتي" . وإحدى وسائل خلق هذا الموقف المزدوج أو المتناقض حول أي بيان أو حالة هو توظيف المحاكاة الساخرة: اقتباس المتفق عليه للسخرية منه. وبعبارات هتشيون: يعد التهكم الساخرـ والذي غالبا ما يطلق عليه الاقتباسات المفارقة، المعارضة الأدبية، والاستيلاء، أو التناص ـ مركزيًا في ما بعد الحداثية بالنسبة لمنتقديها والمدافعين عنها على حد سواء.
من كتابي (أفق يتباعد : من الحداثة الى بعد ما بعد الحداثة ) .

الأربعاء، 23 مارس، 2016

التاريخ والراوية: استحضار الماضي بين الحقيقة والتخيل.



التاريخ والراوية: استحضار الماضي بين الحقيقة والتخيل.
أماني أبو رحمة.
ـ "إن الامر يبدو كما لو أن التاريخ استيقظ في القرن التاسع عشر مفجوعا ومتفاجئاً ليرى كم أنه مقترن ووثيق الصلة بالرواية، فسعى لتوسيع الفرق بينه وبينها في داخله أولا، في محاولة لئلا يُبتلع من ذلك الآخر"ل يندا اور.
وهكذا - في سبيل الهروب من ارتباطه بالرواية- عزز التاريخ نفسه بوصفه فرعاً علمياً منفصلاً ووثق سلطته بوصفها صيغة معرفية. وحتى إذا نظرنا إلى التاريخ بوصفه الخطاب السلطوي، نجد أنه، - للمفارقة- الأكثر عرضة للخطر مقارنة بالرواية؛ فهو دائما تحت تهديد سلطة الرواية العدوانية والغريبة . فالرواية هي التي تمتلك السلطة الوجدانية والعاطفية الأكبر، والمنفصلة عن البحث العلمي الدقيق الذي حاول التاريخ أن يكتسبه وتبعاً لذلك فهي الأقدر على تضليل قرائها. وتعد الروايات التاريخية المساحة الأوسع لظهور هذه المخاوف من الرواية، التي تطالب دائماً بمراعاة الحقيقة التاريخية على حساب الحريات. توصف الرواية التاريخية عادة بوصفها مزيجاً من مكوناتها بـ : التاريخ والرواية . تلاحظ فيريس أنه "في حين إن الأجناس الأدبية الهجينة جميعا تشكل ما أطلق عليه ميخائيل باختين "انتهاكات الحدود"، فإن الرواية التاريخية على وجه الخصوص تنتهك حدوداً حساسة . ويلفت التهجين النظر إلى حالتها الاشكالية، وهكذا فإن محاولات تحديد الرواية التاريخية يسلط الضوء على صعوبة تحديد كل من الرواية والتاريخ. ولكن هذه الإشكالية انعكست في مناقشات الروايات التاريخية ونادراً ما مست تحديد الجنس الأدبي. وبالنسبة لأفروم فليشمان، الذي وضع واحدة من أوائل الدراسات المنهجية للجنس الأدبي، فإن الأسئلة المركزية لتحديد الرواية التاريخية هي كم من الوقت يجب أن يمر قبل أن نعد حدثا أو شخصاً "تاريخيا" (ستون عاما) وما هو نوع الأحداث التي يمكن أن تكون "تاريخية" (الحرب والسياسة و التغيرات الاقتصادية) .
إنه يعترف بأن القراء يطلبون أيضاً معرفة الحقيقة حتى لو كان لأجل أن يمتدحوا أو يذموا على أساس من الـ "دقة"، أو التسجيل الصادق لحقائق مفترضة . وفي رأي فليشمان، فإن التاريخ، بوصفه مكاناً قابلاً للمعرفة، متاح للتمثيل في الرواية في هذه الحالة. التاريخ هو العنصر الرسمي من ذلك المزيج (الرواية والتاريخ)، الواقع الذي لا بد أن تعكسه الرواية بصدق وأمانة.
تضع معظم الدراسات التي تتناول الجنس الأدبي الرواية التاريخية متخلخلة في الكتابة التاريخية historiography وليس قي الرواية. وهكذا فإن الروائيين التاريخيين التقليديين تطفلوا على حقل موجود بالفعل بوصفه خطاباً رسمياً، بقطع النظر عن حجم الأجزاء المختلف عليها في هذا الخطاب . وتصف فيريس التمييز بين الرواية التاريخية والتاريخ بمصطلحات سلطة الجنس الأدبي والاتفاقيات الأدبية بحيث إن الرواية التي تهدف إلى الـ "تسلية"، تأتي في المرتبة الثانية بعد التاريخ الذي يهدف إلى الحقيقة . و تقول إن روايات السير والتر سكوت التاريخية تنتظم حول الإذعان للتاريخ (على الرغم من أن هذا الإذعان قد تقوضه في كثير من الأحيان عناصر السرد الأخرى) مؤسسةً لعلاقة "عرضية تماسية "بين التاريخ و الرواية التاريخية بدلاً من "العلاقة التشابكية". عملت مخيلة سكوت الفاعلة على سد الثغرات التي خلفها السجل التاريخي، بدلاً من أن تحل محله . وفي هذا السياق أيضاً، ناقش جورج لوكاش وإليزابيث ويسلنغ ظهور روايات وافيرلي للسير والتر سكوت بوصفها مكملة للتاريخ الرسمي. تقول ويسلنغ "قبيل الاحتراف في التاريخ في القرن التاسع عشر فإن مهمة التقصي التاريخي قد قسمت إلى قسمين؛ وكان لكل قسم هيئاته الخاصة : الآثاريون الذين يجمعون ويديرون المواد الأرشيفية، والمؤرخون الذين يبتكرون الروايات التي من شأنها أن تكون مثيرة للاهتمام ومسلية بما فيه الكفاية للحفاظ على التاريخ الذي يكتشفه الآثاريون" . وبذلك يمكن للمؤرخ أن يضمن عددا من الكلمات أو يضيف تفاصيل معينة لجعل السرد أكثر اكتمالاً وأكثر إرضاء، لأنه - كما رأينا- من المفترض أن ينطوي عمله على شيء من البلاغة والخيال. تقول ويسلنغ إن الرواية التاريخية قد احتلت المكان الذي تركه أولئك المؤرخون عندما اعتمدوا المنهجيات العلمية وأعادوا لحمة دور البحث والكتابة التي سبق أن فصلت. وكانت مهمة الروائي التاريخي، كما تصورها سكوت وأقرانه هي إرشاد القارئ عن العادات والتقاليد الماضية بطريقة مسلية . وإذا كان عمل سكوت هو تكميل الكتابة التاريخية الرسمية، من خلال أضافه اللون مثلاً، إلا أنه يفعل ذلك على وفق شروط التاريخ الرسمي نفسه، من خلال استنساخ المصالح وبؤر الاهتمام ذاتها. يحدد سكوت ويتماهى مع نموذج من التاريخ مؤسساً على مركزية الأحداث السياسية، والرجال العظماء وأفعالهم. ومن المثير للاهتمام، أن هذا التركيز على السياسة والأحداث العظيمة في التاريخ قد استُنسِخ في نقد الرواية التاريخية التي وضعت كتابات سكوت في مركز الجنس الأدبي. وضع وايت الثورة الفرنسية والحروب النابليونية أحداثاً محورية في فصل التخصصات العلمية : الفلسفة، والتاريخ والأدب والعلوم. يستشهد لوكاش، في تناوله المؤثر للجنس الأدبي، بالضجة التي أحدثتها الثورة الفرنسية والحروب النابليونية من أجل التحريض على الرواية التاريخية كما يموضعها مع رواية السير والتر سكوت. ويرى لوكاش، أيضاً، أن تلك الأحداث تؤسس لمفهوم جديد للتاريخ، موفرة للناس "إمكانيات ملموسة لفهم وجودهم بأنفسهم بوصفه مشروط تاريخياً، ولأن يروا التاريخ بوصفه ذلك الشيء الذي يؤثر عميقاً في حياتهم اليومية ويهمهم على نحو مباشرة ".
دفع تسارع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي بشرت بها الثورة الفرنسية وحروب نابليون إلى محاولات جديدة لفهم "الرجل العادي" وكيف يتأثر بالصدام بين الحضارات.
من كتابي ( التاريخ والذاكرة الثقافية في رواية الفكتورية الجديدة صور تلوية فكتورية). كيت ميتشل ،تر: أماني أبو رحمة . نينوى للدراسات والنشر والتوزيع ، دمشق ، 2015.

الثلاثاء، 22 مارس، 2016

التحولات الفلسفية نحو بعد ما بعد الحداثة

التحولات الفلسفية نحو بعد ما بعد الحداثة
 أماني أبو رحمة
يميز كيفين فانهوزر الحداثة عن ما قبل الحداثة بالإشارة إلى ما عدّه الفلسفة الأولى First Philosophy لكل منهما. يرى كيفن فانهوزر أن فلسفة ما قبل الحداثة الأولى كانت ميتافيزيقية، إلا أن كل شيء تغير في الطريق من التنوير إلى الحداثة. ذلك أن الموضوع الجوهري المرتبط بالحداثة هو الابستومولوجيا وبالتحديد طبيعة وإمكانية المعرفة (1).
مهد التنوير لحالة الحداثة التي مثلت تحولا فلسفياً وعلمياً. وقد ارتكزت أسس الفلسفة الحداثية على أفكار رينيه ديكارت (1596-1650) الذي يعد أب الفلسفية الحداثية. إذ فضلاً عن تحويله الفلسفة من الميتافيزيقيات إلى الابستومولوجيا، وضع ديكارت أسس المعرفة الحداثية من خلال اهتمامه بطبيعة المعرفة وطرق الحصول عليها. فبالنسبة لطبيعة المعرفة كان ديكارت واضحا في سعيه نحو نموذجاً كونياً للمعرفة، ليس بمعنى ما هو الصحيح بالنسبة لكل شخص فحسب، ولكن بمعنى ما هو الصحيح بالنسبة لكل مساحات المعرفة (2). قادت مناقشات ديكارت إلى استنتاجه أن مبادئ هذه المعرفة يمكن أن توجد في العلم فقط. اهتم ديكارت بالوصول إلى معرفة أكيدة وثابتة وغير قابلة للتشكيك وقد وجدها فقط في علوم الهندسة والحساب ولا يمكن الوصول إليها إلا بالتجربة والاستنتاج. وأخيراً فقد شكك ديكارت بالمعلومات التي تصل إلى المرء من الآخرين. وهكذا فان تحول ديكارت إلى الذات كان حاسما حين وضعنا في صورة الفرد العارف الذي يرفض المعرفة ،عدا تلك التي يمكنه أن يتحقق منها بنفسه (3). أشار ديكارت إلى أن هناك اثنين فقط من أفعال الفهم والفكر Intellect يمكننا من خلالهما الحصول على الحقيقة : الحدس والاستنتاج. والحدس هو مفهوم ( المقدرة العقلية Mind الخالصة واليقظة ) الناشئ فقط عن العقل Reason، في حين أن الاستنتاج مستمد بالضرورة من حقائق أخرى معروفة ومؤكدة. وبتفضيله للحدس أو للمعرفة البديهية على الاستنتاج، عرض ديكارت الجانب الأساسي للابستومولوجيا الحداثية وهو الأُسسية Foundationalism التي تعتمد على علة أولى لا تقبل التشكيك والبحث عن إثبات. وبتطبيق شكوكه المنهجية توصل ديكارت إلى ما أطلق عليه ( الذات المفكرة المستقلة Autonomous Thinking Self ) ونتيجة لذلك فان كل البديهيات المميزة والواضحة عن تلك الذات تكون صحيحة بالضرورة (4).
وهنا لا بد لنا من تأكيد الدور الأساسي للعقل في منظومة الابستومولوجيا الحداثية، وذلك لأنه مصدر الحدس والبديهة التي هي ـ كما يقول ديكارت ـ أساس الأفكار الواضحة والمتميزة والصحيحة. كان مفهوم التنوير عن العقل أنه مجرد قدرة بشرية تقوم بتنظيم وتحليل وتقييم الأفكار ولكن الحداثة تجاوزت هذا المفهوم إلى المفهوم الرواقي للوجوس Stoic concept of logos (5) الذي يرى أن الحقيقة تمتلك تركيباً وترتيباً يظهر بوضوح في اشتغالات المقدرة العقلية البشرية، وتبعا لتلك النظرة فان القدرة العقلية قد وهبت أفكارا فطرية متأصلة، وأن هذه الأفكار ترتبط بطبيعة وتركيب الحقيقة بطريقة أو بأخرى. الأمر الذي أدى إلى الاعتقاد بالعقلانية الموضوعية للحقيقة والثقة بقدرة الإنسان على اكتساب معرفة بالنظام التأسيسي للكون. رفض جون لوك (1632-1704) فكرة الأفكار الفطرية وجادل بأن جميع أفكارنا تنطلق من التجربة، إما الإحساس أو التأمل والتفكر. ولكن حتى في هذا الرفض، فان لوك لم يغادر الأُسسية التنويرية لا من الناحية الشكلية ولا الجوهرية، ذلك انه ـ وبدلا من الاعتماد على المبادئ الأولى الغير قابلة للشك والمشتقة استبطانياً كما عند ديكارت ـ يدعونا للبدء من التجربة الحسية. يوظف التجريبيون العقل بصورة آلاتية ذرائعية، في حين أنه بالنسبة للعقلانيين هو مصدر المعرفة. ومع ذلك، فإن ما لدينا هنا هو الفجوة بين الأُسسية العقلانية (ديكارت، سبينوزا، ليبنتز)، والأُسسية التجريبية (لوك، هيوم، بيركلي) الأمر الذي أدى إلى مناقشات حادة بلغت ذروتها في فلسفة عمانوئيل كانط (1724-1804).
كانت مساهمة كانط الأساسية في دمج الأُسسية العقلانية والتجريبية. يمثل فكر كانط في الابستومولوجيا لحظة ثورية في تاريخ الفكر الغربي. فقد أعفت التسوية التي حققها كانط الفلسفة الغربية من التشكيكية التي ولدتها انتقادات هيوم. ولا بد أن نلاحظ أن تلك التسوية الكانطية أكملت تحول التنويرية نحو الإنسان. فقد أعلى كانط حالة الشخص المفكر من خلال إظهار دوره الفاعل في تكوين المعنى. فالحدس والإدراك الحسي يعملان معا في تكوين المعنى. وتبعا لذلك فانه يمكن القول أن نظرية كانط في الإدراك المعرفي كانت لإظهار أن المعرفة هي نتاج عمليات موحدة من الملكات والبديهيات (الكائنات المدركة ) والمفاهيم ( ابتكارات العملية العقلية ) (6). بهذه الطريقة، تمكن كانط من أن يظهر أوجه التكامل بين الرؤى التجريبية والعقلانية. من ناحية أخرى، كان كانط قادرا على تحقيق هذا التوليف Synthesis على حساب إنكار القدرة التركيبية للشخص على إدراك النومينون : الشيء بذاته Noumenon ، وهو ما يمثل الحقيقة الأساسية للشيء التي تكمن أسفل الظواهر العارضة.. فالإدراك المعرفي مرتبط بعالم الظواهر. وبهذا التمييز، زرع كانط بالفعل بذور اللا -اسسية Nonfoundationalism التي تطورت لاحقاً (7). وعليه فانه يمكننا تلخيص المبادئ المعرفية الحداثية على النحو والتالي:
1. العقلانية الموضوعية Objective rationality : إن التركيب المنظم للطبيعة يدعو لعرض قوانينها. ويعني التوافق بين العقل وقوانين الطبيعة أن بعض معرفة معينة وموضوعية ستكون ممكنة من خلال القضاء على العوامل الذاتية والشخصية من عملية المعرفة. وقد تكون مثل هذه المعارف معروفة وصفيا، والحقيقة هي التي تمثل المعرفة الموصوفة بدقة، وبالتالي فان الحداثة تفضل نظرية (الحقيقة المتطابقة the (correspondence theory of truth .
2. المرجعية Referentialism: وتتضمن المقاربة الوصفية الحداثية وجهة نظر معينة من اللغة، ذلك أن الحداثة ترى أن اللغة تمثيلية. بمعنى أنها، تشير إلى، وتمثل حقائق الواقع. وهكذا يشترك لوك والذريين المنطقيين logical atomists في النظرة المرجعية للغة (8).
3. الانسجام والتجانس Harmony : والنتيجة المنطقية للتركيب العقلاني للحقيقة هو مبدأ التجانس والانسجام. ويرتكز هذا الانسجام على تركيب منظم وعقلاني شامل للكون. وتتضمن فكرة التجانس حكما قيمياً على المعرفة بمعنى أن المعرفة جيدة وتحقق تقدماً مطرداً.
4. الاستقلالية الفردية : Individualistic autonomy : احتفت الحداثة بالفرد العارف بوصفه نموذج عملية المعرفة. ومن جهة أخرى فان الاستقلالية لا تعني انعدام القوانين لان قوانين الطبيعة الكونية مفترضة مسبقاً. وبالتالي فان الاستقلالية الفردية تفرض على الأفراد التزاما ابستومولوجيا وفكرياً يقيمون بموجبه الحقيقة بأنفسهم.
5. الأُسسية Foundationalism : تتناول الأُسسية بنية المعرفة القابلة للتعليل : بمعنى أن كل المعتقدات مبررة من خلال البناء على قناعات تأسيسية راسخة لا تقبل الشك.
6. الاختزالية Reductionism : وهي إستراتيجية لا تعنى بتحليل الشيء إلى أجزائه فحسب، ولكن أيضا بشرح خصائص وسلوك الشيء وفق خصائص وسلوك أجزائه في مجال العلوم، يتجلى مفهوم الاختزالية في فكرة اختزال العمليات البيولوجية إلى مجموعة من التفاعلات الكيميائية، والتي يمكن بدورها أن تختزل إلى المواد المتضمنة في التفاعلات. وقد أدى ذلك إلى التسلسل الهرمي في مجال العلوم ابتداءً من الفيزياء (ابسط المستويات ) صعودا إلى مجالات أكثر تعقيداً مثل علم الاجتماع. والافتراض الميتافيزيقي الحاسم المتضمن في هذه النظرة إلى العلوم هو أن أجزاء كيان أو نظام ما تحدد خصائص وسلوك النظام ككل وليس العكس ـ وفقا لنانسي مورفي ولم تقتصر طريقة التفكير هذه على العلوم، بل تعدتها إلى الأخلاق، والنظرية السياسية، ونظرية المعرفة، وفلسفة اللغة، وغيرها من المجالات التي تأثرت بالافتراضات الاختزالية (9) .
وهناك أمر لا يقل أهمية عن المبادئ الابستمولوجية السابقة في دعم مشروع التنوير. فقد وجدت الثورة الابستمولوجية التي بدأها ديكارت ثورة مناظرة في الاستكشافات العلمية لإسحق نيوتن (1642-1727 ).
الميتافيزيقيات الحداثية :
وعلى الرغم من أن أسس الحداثة ابستمولوجية بالدرجة الأولى، إلا أن الاهتمام بالأسئلة حول طبيعة الحقيقة ظل ملحاً. فقد تساءلت الحداثة عن طبيعة الحقيقة الفيزيقية. وقد حاول نيوتن أن يفعل في العلوم ما فعله ديكارت في الفلسفة وذلك بوضع ما يمكن أن يطلق عليه الأُسسية العلمية. ويرى نيوتن أنه يمكن وصف النظام الطبيعي للطبيعة رياضيا. ومن الواضح أن للنهج النيوتيني تأثيراً ضمنياً يتعلق بطبيعة الحقيقة المادية التي تقول بأن العالم يتكون من جزيئات صلبة ثابتة وغير قابلة للتدمير تسمى الذرات. وهي كائنات من الخبرة الحسية تعد انفصالاتها وتحركاتها مسئولة عن التغييرات التي يمكن ملاحظتها في الطبيعة، وتبعاً لذلك كانت وجهة النظر الميكانيكية في الفيزياء الكلاسيكية الحداثية. وضعت أفكار نيوتن عن طبيعة الحقيقة أسس الفيزياء النيوتونيية التي سادت مرحلة الحداثة. وبالنسبة لطبيعة الحقيقة المطلقة، فعلى الرغم من أن الفلسفة الحداثية أظهرت ميولا نحو التعددية، إلا انه يمكن القول أنها كانت واحدية في الأساس. ذلك أنها رأت الحقيقة واحدة بوصفها : عملية، وبناء، ومادة.
وقد جاءت فلسفة هيغل المثالية Idealism التي رأت العالم بوصفه تجلي روح شاملة تصور ذاتها لتؤسس لواحدية ميتافيزيقية حداثية. وهيغل ـ كما يقول هابرماس ـ هو أول فيلسوف طور مفهوما واضحا عن الحداثة (10). وفي إدراكه الواحدي للحقيقة والإنسانية ووعيها الذاتي (الذي رأى انه يميز الإنسان عن الحيوان ) يرى هيغل أنها نتيجة تحفيز الروح لتعرف ذاتها. ولكن هذه الروح لا يمكن اعتبارها مفصولة عن البشرية. ذلك لان كل شيء هو جزء من الكل. وفي الأساس فان الوعي الذاتي هو نتيجة التاريخ، الذي ترشده الروح، التي هي جزء من البشرية التي هي جزء منها أيضا في الوقت ذاته. وهكذا، فإن دورة ونتيجة التاريخ هي جزء من حرية الإنسان والبشرية. يؤمن هيغل بأن كل الأشياء الحقيقية في العالم هي في نهاية المطاف واحدة ويقول “إن كل ما هو عقلي متحقق بالفعل، وما هو متحقق بالفعل عقلي” (11)، وفق هذه المعيارية الإطلاقية يتوقعن العقل، أو قل يتحقق بالفعل في الطبيعة والتاريخ والوعي، وهو بذلك يبسط سيطرته على العالم وما فيه من أشياء، وتشكل هذه المقولة نقطة الانطلاق في الفهم الهيغلي للعقل. ويفضي هذا الفهم إلى سلسلة من التمثلات، يغدو وفقها تاريخ العالم عبارة عن تمثل لمسار العقل، لأن المفهوم الذي ينهض عليه ليس سوى أن العقل هو جوهر،وقوة لا متناهية، يكمن مضمونه وراء كل من الحياة والطبيعة والروح. إن كل وجود حقيقي يستمد وجوده وكينونته من العقل، بوصفه جوهراً كونياً، يمنح البقاء والاستمرار لكل ما هو واقع حقيقي في العالم، وهو المعبر عن ماهية الأشياء وكامل حقيقتها، ويمنحها القوة المطلقة، بل ويمنحها الحياة أيضاً (12).
إن الحد الذي وصلت إليه الحداثة في تفسير الكينونةBeing بوصفها خلوداً Timeless، يجعل من المقبول تماما القول بأن ديكارت كان واحدياً من حيث الجوهر , بالرغم من ميوله الاثنينية الواضحة (13). إن كوجيتو ديكارت الذي افتتح به القول الفلسفي للحداثة، دليل على واحديته حين جعل الذات مركزاً ومرجعاً، بوصفها عقلاً وإرادة.
الأسس الفلسفية لما بعد الحداثة:
ربما كان التحديد الذي حظي بما يشبه الإجماع لما بعد الحداثة هو أنها ضد الحداثة Anti-modern. وبذلك يمكننا القول أن ما بعد الحداثة قد نبذت الأسس المعرفية والميتافيزيقية التي قامت عليها الحداثة .
فمن الناحية المعرفية، رفضت ما بعد الحداثة سعي التنوير نحو المعرفة الموضوعية وما يترتب عليها من أُسسية ومرجعية (14) . وتمثل هذا الرفض في أسس مشروع دريدا التفكيكي: وهو منهج تحليل للنصوص ينطبق على جميع الكتابة ـ والفلسفة ليست أكثر من مجرد كتابة ابداعية ـ ويسعى من خلال سلسلة من الاستراتيجيات المثيرة للجدل إلى الكشف عن عدم استقرار المعنى المتأصل وإبهامه وعدم وضوحه . واحد من أهدافه الرئيسية هي لفت الانتباه إلى الخاصية النصية التي لا مفر منها في جميع الكتابات الفلسفية، والتي يحاول معظم الفلاسفة إنكارها ، معتبرا إياها حجة خالصة Pure Argument. إن أفضل السبل لمقاربة التفكيكية هو بوصفها شكل من أشكال التشكيك الجذري Radical Scepticism وضد الأُسسية Antifoundationalism .
اتخذ دريدا موقفاً معارضا من الفلسفة الغربية منذ أفلاطون بسبب التزامها غير المقبول بـ ميتافيزيقيا الحضورMetaphysics of Presence ، والاعتقاد بأن المعنى مستقر أساسا، ومحدد ويمكن إدراكه في مجمله. وبهذا المعنى فان الفلسفة الغربية متمركزة حول اللوغوس logocentrist : فكرة أن الفهم والمعنى يمكن أن يُمنح نقطة مرجعية ثابتة من خلال تأسيسه في اللوغوس , أو في سمات ثابتة أو مبادئ للحقيقة ، وبكلمات أخرى في الحضور (15) . رفض دريدا فكرة التمركز حول اللوغوس، وبذلك فان التفكيك يبدأ عمله بالتخلص من مركزية العقل في وظيفة اللغة. وبذلك جنحت ما بعد الحداثة نحو المذهب الكلي Holism الذي لا يرى المعتقدات مرتكزة على أسس متينة ولكنها مدعمة بفضل علاقاتها بمعتقدات اخرى، وبالكل في نهاية المطاف .
وضع لويلارد فان أورمان كواين (1908-2000) نموذجا ابستومولوجيا يقول بأن الحقيقة الواعية تدرك بوصفها شبكة من خبرات متداخلة. وفي شبكة الخبرات المتداخلة هذه، تتعزز الأفكار المشتركة وتترابط لدعم بعضهما البعض بطريقة تعطي بعض الأفكار أسبقية في تماسك الشبكة (16) . ومع الكلانية فان أيا من المعتقدات لا يمكن إلا أن يكون قابلا للتنقيح والتعديل . وبكلمات مورفي فان ” المعتقدات تختلف فقط باختلاف بعدها عن الخبرة ، التي تمنح (شروط حدود ) المعرفة” (17) . وهكذا فان سمات المذهب الكلي هي : التعددية Plurality ، والمنظورية Perspective ، والقابلية للتعديلCorrigibility ، والعملاتية Process (18) .
وهناك تحولات ابستمولوجية أخرى وصمت ما بعد الحداثة نذكر منها :
أولا : التحول من الاهتمام بالمعنى بوصفة مرجعية إلى الاهتمام به بوصفه توظيفاً . فقد وضعت أعمال لودفيج فيتجينشتاين، وجون لانغش، واوستن الأساس لفلسفة جديدة في اللغة . تأثر فيتجنيشتاين في بداياته بالوضعية المنطقية : بمعنى أن اللغة تعين الحقائق . ولكنه عاد فيما بعد ليفسر اللغة على غرار الألعاب . كل توظيف للغة يشكل لعبة بقوانينها الخاصة. وهكذا فان الجملة تحتمل العديد من المعاني تبعاً للسياقات التي يجري توظيفها فيها . والمعنى هو دالة دور اللغة في نظام الاتفاقيات : التطبيقات والاداءات اللغوية وغير اللغوية . والنتيجة أن المعنى سياقي ، وأن اللغة لا تهدف بالضرورة إلى حالة الحقيقة الموضوعية للظاهرة .
ثانيا ً: التشكيك في السرديات الكبرى (19)، بمعنى التخلي عن سعي التنوير إلى معرفة شاملة على أساس العقل (20) . تعد قضية السرديات الكبرى في بعد الحداثة قضية هامة خصوصا عند مقارنتها بالحداثة التي احتل فيها العقل مكانة جليلة وكان له القول الفصل في تحديد أو استبعاد ما يمكن أن نطلق عليه معرفة . وبذلك فان العقلانية التنويرية هي التي حددت السرديات الكبرى . ولكن ما بعد الحداثة زعمت أن كل المعرفة البشرية مسيقنة ومحلية وخاصة تاريخياً، مما أدى إلى تطوير ما يطلق عليه الأطروحة السياقية Contextual thesis (21). ويري ألن ديوجين أنه ـ وفي ظل فرض حظر على جميع السرديات الكبرى ـ فإن الاستنتاج الذي لا مفر منه هو أن “كل فهم للحقيقة لا يكون إلا بدلالة التاريخ والثقافة” (24). علاوة على ذلك ، يلاحظ ديوجين ” أن هذه النسبية قوية وفاعلة لدرجة أننا لا نبني فقط حقيقة مختلفة باختلاف العصور والمجتمعات فحسب ، ولكننا لن نقوم بأي شيء حيال محاولة كل فرد بناء حقيقته بطريقته الخاصة ” (22) . ومن الواضح إذا أن نتيجة هدم السرديات الكبرى التي لا مفر منها هي التعددية .
الميتافيزيقيات في ما بعد الحداثة :
تتمثل الحداثة ميتافيزيقيا بما يمكن أن نطلق عليه الميتافيزيقيات المضادة للحقيقية Anti-realist metaphysics . بمعنى أنها الرأي القائل بأن وجود الأشياء، يعتمد على التفكير والخبرة واللغة (23). وبعبارة أخرى ، فإننا لا نواجه عالماً معطى ببساطة، ولكننا نواجه عالماً نركبه بنشاط عن طريق استخدام مفاهيم نأتي بها إليه (24). ويمثل هذا الرأي رفض لمفهوم الجوهرية الفلسفي Essentialism، الذي يقول بأن هناك بعض المعاني المثالية. وقد عرض دريدا رفضه للواقعية Realism أو الجوهرية Essentialism في سياق فكرته من الاختلاف . فالواقعية أو الجوهرية تتطلب ـ من الناحية الفلسفية ـ مركزاً. وقد فُسر هذا المركز في تاريخ الميتافيزيقيا بشكل مختلف من قبل أنظمة فلسفية مختلفة. ولكن دريدا ، الصوت الأبرز فكرياً في ما بعد الحداثة ، يرفض فكرة وجود مركز ويلاحظ أنه “من الضروري ـ من الآن فصاعدا ـ البدء في التفكير أنه لا يوجد أي مركز، وأنه لا يمكن أن نفكر في المركز بوصفه شكلاً من الكينونة الحاضرة Present-being ، وأنه لا يوجد للمركز أي مكان طبيعي ، وأنه ليس موضعا ثابتا ولكنه وظيفة : نوع من( اللا ـ موضع) فيه عدد لا حصر له من تبديلات العلامات Sign-substitutions التي لا بد أن تُؤخذ في عين الاعتبار” (25).
وعلى الرغم من أن (ضد الحقيقة) أو (ضد الواقعية) هي ميتافيزيقية ضرورية من حيث ارتباطها بالمذهب الكلي ابستومولوجيا ، إلا أن التطور في الفيزياء الكوانتية عزز برنامج (ضد الواقعية). فلم يعد العلم قادراً على دعم فيزياء الجسيمات النيوتونية المتركزة بوصفها كيانات ذات جوهر ثابت ، وبدلاً من ذلك فان الحقيقة الفيزيائية ديناميكية : أي أن الكون ليس كيانا موجوداً له تاريخ ولكنه هو تاريخ بحد ذاته ( أنه أكون متعددة a multiverse) . والعالم ليس خلق منته creation بقدر ما انه استمرارية في الخلق creating (26).
لاقت التعددية المتضمنة في الفهم الجديد للعلوم بشأن الواقع المادي ، صدى فلسفياً في إعادة بناء مارتن هايدغر لطبيعة الحقيقة المطلقة (27) . تمثل فلسفة هايدجر نقطة التحول إلى ما بعد الحداثة. وقد لقي مفهومه الديزاين Dasein بمعنى حضور الكون أو معنى الكينونة أو الحقيقة الإنسانية أهمية خاصة بوصفه التمثيل الأساسي للكينونة. وبوصفه وسيلة زمانية وعلائقية للكائن في العالم ، فان الديزاين يمثل خروجا عن تفسير الفلسفة الكلاسيكية للكينونة الخالدة . ومن الناحية الفلسفية تفترض ما بعد الحداثة ـ في بحثها عن الحقيقة ـ وجود تفسير زمني للقاعدة التي يجب أن تفهم الحقيقة استنادا إليها ، وتسهم فلسفة هايدغر الوجودية في توفير أسس ميتافيزيقية لمثل هذه الخطوة. ومع ذلك، فإن تفسير الحقيقة المطلقة بمصطلحات زمانية هو افتراض أساسي ذي أهمية تأويلية كبيرة. وقد كانت نتيجته بفضل ما بعد الحداثة هي : التعددية (28).
وبذلك فان ما بعد الحداثة من وجهة نظر المنظر الثقافي الأمريكي راؤول ايشلمان ربوبية Deist و غنوصية Gnostic في مقابل الواحدية الحداثية المتشددة . إذ بدلا من أن ترى العالم بمصطلحات الخالق /الشخص وتقليد هذا الخالق ، فان ما بعد الحداثة تتعامل معه بوصفه كلاً ديناميكياً حيوياً يتطور ويتحول باستمرار( الإله غير الشخصي للربوبية ) ويتكون من أجزاء متساوية غير ثابتة تسمح بإدراك مؤقت وغير كامل لاشتغالات الكل . ويهدف ما بعد الحداثيين إلى أن يعرفوا فحسب ، لا أن يؤمنوا أو أن يستفيدوا من تدفق الطاقة حول العالم . ويلاحظ ايشلمان أن واحداً من أهم المنظريين السينمائيين في ما بعد الحداثة : جيل دولوز يقتبس مفاهيمه من الفلاسفة الربوبيين أمثال ليبينز وبرغسون .
أما جاك دريدا فيلسوف اللغة الأهم في ما بعد الحداثة فانه يلتزم بفكرة أقرب ما تكون إلى الفكرة الغنوصية : البحث عن الحقيقة . انه يتعقب الآثار الجوهرية المبعثرة للمعرفة، بدلا من أن يحاول تمثيل جوهر حقيقة متعالية واحدة (29).
ولكن ايشلمان يرى أن السنوات الخمس عشرة الأخيرة قد شهدت نشوء حالة في العلوم الإنسانية غالبا ما تسمى ( نهاية النظرية ) أو (ما بعد النظرية) . وهذا يشير إلى حقيقة أن نظريات ما بعد البنيوية التي وضعها لاكان ، و دريدا ، وفوكو، وبارت ، و دولوز قد أُستنفذت دون بلورة نظريات جديدة بالثقل والأهمية ذاتها . إن الاتجاه السائد في مجال الدراسات الإنسانية هو دراسات ما بعد الاستعمار التي تهجن نظريات ما بعد البنيوية القائمة ولكن دون القدرة على تطوير وظائف جديدة جوهرياً. وبصرف النظر عن استراتيجيات التهجين هذه، فان عددا من النظريات التي نشأت في السنوات القليلة الماضية تختلف بشكل ملحوظ عن ما بعد البنيوية بحكم تركيزها على موضوعات الوحدة unity والغلق closure . ومن أشهر حاملي هذا الفكر الجديد جان لوك ماريون ونظريته الظواهراتية ، وبيتر سلوترديك ونظريته الكرات المغلقة ، وايرك غانس والانثروبولوجيا التوليدية ، وآخرون. وتستند جميع هذه النظريات على الوحدة ، والفهم الإيجابي للهوية ، والغلق ، والحضور .
و ايشلمان الذي يجمع بين الفهم العميق لتقاليد السيميائيات الثقافية المميزة لمدرسة تارتو السوفيتية مع الاطلاع على التفكيكية الدريدية ، والنظريات ما بعد النسوية ، يؤكد بثقة انه لا جدوى من الإعلان عن نهاية ما بعد الحداثة دون محاولة رسم ملامح ما بعدها، والتنبؤ بما يمكن أن يكون بديلاً لها . والبديل من وجهة نظره هو (الواحدية الجديدة ) التي تمثل صيغة نتاج ثقافي يُذكر القراء بالقرن الثامن عشر وليس العشرين ، على الرغم من أنها تخلت بحزم عن ادعاءات التجاوز والتفوق التي ميزت واحدية القرن الثامن عشر العقلانية .
يرصد ايشلمان في كتابه (الأدائة أو نهاية ما بعد الحداثة ) جملة تغيرات في الادب والرواية والسينما والعمارة والسياسة والفن توضح حقبة غادرت ما بعد الحداثة وباتت تندرج تحت مظلة أوسع يمكن أن نطلق عليها (الكانطية الأنثروبولوجية). ذلك أن المفاهيم الكانطية للذاتية والحكم الجمالي يجري تطبيقها في الأدب الجديد ـ بوعي تام في بعض الأحيان ـ على قضايا الأحداث الجارية التي تتعلق بدور الأفراد والثقافات في عصر الرأسمالية العالمية. وقد جرى تعديل وتكيف هذه الأفكار الكانطية إلى عقلية واحدية جديدة تتعارض مع ثنائية العقل والمادة الكانطية الأصلية ( أو ربما التي أُسئ تفسيرها). إن نقطة الابتكار الأساسية لهذا التعديل تكمن فيما أطلق عليه ايشلمان مصطلح الأداء . ويعرف المبدع أن هناك انقسام بين العقل والمادة (أو بعض الازدواجية الأساسية الأخرى)، ولكنه يرغمنا ، على الرغم من ذلك ، على التماهي مع إمكانية تجاوز ذلك شكلياً عن طريق تمرير عين العقل وعواطف الجسد على الشكل . إن الجماليات هي (مكافأة) هذه المشاركة في التماهي أو الإسقاط المحدد بوساطة الشكل. تتجاوز المتعة الأدائية ثنائية المعرفة والجسد . وعقاب تجريد ذلك الإسقاط من أدواته هو أن تعيش في حالة ابستومولوجية صحيحة ،ولكنها مكدرة بمعرفتك أنها ما بعد حداثية . تختلق الجماليات الابستومولوجيا في الأدائية وتفبركها . فالفن هو المكان المميز حيث سيكون بمقدور العلمانيين اختبار التجاوز والسمو مرة أخرى حتى وإن كان ذلك فقط في ظروف محدودة واصطناعية. ليس هناك شك في أن أنسب المصادر الفلسفية والنفسية والاجتماعية للتعامل مع هذا الوضع “المغلق” وإسقاطاته الإيجابية المحددة هي التقاليد الكانطية العائدة (30) .


هوامش:
1. ينظر: Kevin J. Vanhoozer, First Theology (Downers Grove: InterVarsity Press, 2002), 15-17
2. ينظر: Millard J. Erickson, Truth or Consequences: The Promise and Perils of Postmodernism (Downers Grove: InterVarsity Press, 2001)p45
3. المصدر السابق:55
4. ينظر: Rene Descartes, Meditations on First Philosophy, trans. John Nottingham (Cambridge University Press, 1986)
5. الفلسفة الرِّوَاقِيَّة: مذهب فلسفي ازدهر حوالي القرن الرابع قبل الميلاد واستمر حتى القرن الرابع الميلادي. بدأت في اليونان ثم امتد إلى روما. اعتقد الفلاسفة الرواقيون أن لكل الناس إدراكًا داخل أنفسهم، يربط كل واحد بكل الناس الآخرين وبالحق ـ الإله الذي يتحكم في العالم.
6. ينظر: Immanuel Kant, Critique of Pure Reason (London: J. M. Dent &Sons, 1959), 62. يرى كانط أن معرفتنا تنبثق من مصدريين رئيسين في العقل : الأول حيث القدرة على استقبال التمثيلات ( تقبل الانطباعات ) والثاني هو القدرة على الإدراك من خلال هذه التمثيلات ( تلقائية إنتاج المفاهيم ).
7. ينظر: Kinsman, Ted: Kant’s Nonfoundationalist Grounding of Reason. Berlin, New York (Walter de Gruyter) 2008
8. الذرية المنطقية : هي مذهب فلسفي نشأ في أوائل القرن العشرين بالتزامن مع تطور الفلسفة التحليلية . ومن أشهر رواده الفيلسوف البريطاني بيرتراند راسيل (1872-1970), والأعمال الأولى للودج فيجنشتاين ورودولف كارناب . وتقول النظرية بأن العالم يتكون من حقائق (facts) أ وذرات atoms منطقية غير قابلة للانقسام . نحت راسيل المصطلح عام 1918 استجابة لما أطلق عليه الكلانية المنطقية logical holism والتي تعتقد بأن العالم يجري بطريقة لا يمكننا معرفة أجزائه دون معرفة الكل . وأن الكل اكبر من مجموع أجزائه . وهو الاعتقاد الذي يطلق عليه الواحدية .
9. ينظر:Nancey Murphy, Anglo-American Postmodernity: Philosophical Perspectives of Science, Religion, and Ethics (Boulder: Westview Press, 1997), 9,10.
10. ينظر: Habermas, Jurgen, THE PHILOSOPHICAL DISCOURSE OF MODERNITY: TWELVE LECTURES. Tr. by Frederick Lawrence. Cambridge, MA: The MIT Press, 1987.lecture1.p4..
11. ينظر: هيغل، محاضرات في فلسفة التاريخ، الجزء الأول: العقل في التاريخ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، بيروت، ط3، 1983م، ص80 .
12. عمر كوش ، مفهوم العقل: النشأة، الميتافيزيقا، الواقع، مقال انترنتي: http://www.altasamoh.net/print.asp?Id=339
13. ينظر: Fernando L. Canale, Back To Revelation-Inspiration: Searching for the Cognitive Foundation of Christian Theology in a Postmodern World (Lanham: University Press of America, 2001):4-7.
14. ينظر: See Nancey Murphy, “Philosophical Resources for Postmodern Evangelical Theology” Christian Scholars Review 26/2 (1996):185-193.
15. ينظر: : Millard J. Erickson, Truth or Consequences: The Promise and Perils of Postmodernism (Downers Grove: InterVarsity Press, 2001)p115
16. ينظر: Nancey Murphy, Beyond Liberalism and Fundamentalism: How Modern and Postmodern Philosophy Set the Theological Agenda (New York: Continuum International Publishing Group Inc, 2007), 94.
17. ينظر: : Millard J. Erickson, Truth or Consequences: The Promise and Perils of Postmodernism (Downers Grove: InterVarsity Press, 2001)p162
18. ينظر: Richard Shusterman, “Beneath Interpretation,” The Monist 75 (1990), 187.
19. ينظر: Jean-Francois Lyotard, The Postmodern Condition: A Report on Knowledge (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1984): xxiii-xxv.
20. ينظر: James K.A Smith, “A Little Story About Metanarratives: Lyotard, Religion, and Postmodernism Revisited,” Faith and Philosophy 18/3 (2001):353-368.
21. ينظر: Keith Yandell, “Modernism, Post-Modernism, and the Minimalist Canons of Common Grace,” Christian Scholars Review 27 (1997),19
22. ينظر: Diogenes Allen, “Christianity and the Creed of Postmodernism,” Christian Scholars Review 23/2 (1993), 120.
23. المصدر السابق.
24. -ينظر: Keith Yandell, “Modernism, Post-Modernism, and the Minimalist Canons of Common Grace,” Christian Scholars Review 27 (1997),18
25. ينظر: Stanley J. Grenz, A Primer On Postmodernism (Grand Rapids: Eerdmans Publishing Co., 1996)p41
26. ينظر: : Millard J. Erickson, Truth or Consequences: The Promise and Perils of Postmodernism (Downers Grove: InterVarsity Press, 2001)p118
27. المصدر السابق :53
28. ينظر: Fernando L. Canale, Back To Revelation-Inspiration: Searching for the Cognitive Foundation of Christian Theology in a Postmodern World (Lanham: University Press of America, 2001): 7.
29. ينظر: Raoul Eshelman. Sokurov’s Russian Ark And The End Of Postmodernism http://www.artmargins.com/index.php/6-film-a-video/268-sokurovs-russian-ark-and-the-end-of-postmodernism

30. ينظر :: أماني أبو رحمة، نهايات ما بعد الحداثة : ارهاصات عهد جديد. مكتبة ودار عدنان ووزارة الثقافة العراقية. بغداد. 2013.

لماذا ارتحل فوكو الى اليونان القديمة؟

فوكو: الأخلاقيات وتكنولوجيا الذات. أماني أبورحمة يصف هذا القسم التحول الثالث الرئيسي في عمل فوكو، من التركيز الأركيولوجي على نظم المع...