ما وراء القص: التقنية و الغرض والخصائص.

ما وراء القص: التقنية والغرض والخصائص.
أماني أبو رحمة
خلق توظيف مصطلح ما وراء القص للإشارة إلى الأعمال الحداثية التي تعد انعكاسات ذاتية راديكالية بالتساوي مع الأعمال التي تتضمن بضع سطور من الانعكاسية الذاتية، غموضاً. ففي مراجعتها لكتاب( ما وراء القص: النظرية والتطبيق،1984) لباتريشيا واو, تقول آن جيفرسون إن " المعضلة هي أن باتريشيا واو لا تستطيع أن تحتفظ بالأمرين معا؛ أن تعرض ما وراء القص بوصفه خاصية متأصلة في الرواية السردية واستجابة للرؤية الثقافية والاجتماعية المعاصرة"(574).
يوظف منظرون آخرون التعريف الثنائي لما وراء القص أيضا، الأمر الذي يجعل من الصعب أن نعرف ما إذا كان تعريفهم يشير إلى ما وراء القص المعاصر أو إلى جميع الأعمال التي تتضمن انعكاسية ذاتية.
ساهم (جون بارت) بتعريف غامض لما وراء القص كونه" الرواية التي تشبه الرواية بدلا من العالم الحقيقي "(qtd. in Currie 161). وتعطينا (باتريشيا واو) تعريفا شاملا عندما تصف ما وراء القص بأنه" كتابة روائية تلفت نظر القارئ منهجيا وعن وعي ذاتي كامل لحالتها بوصفها صناعة بشرية من أجل أن تطرح قضايا عن العلاقة بين الحقيقة والخيال( .(2يعمل ما وراء القص, كما اقترحت, كهؤلاء الذين" يكشفون نظرية كتابة الرواية تطبيقيا بوساطة كتابة رواية" (2). ويلقي (مارك كيوري) الضوء على ميل ما وراء القص المعاصر نحو النقد الذاتي عن طريق تصويره بوصفه خطابا حدوديا , ونوعاً من الكتابة التي تموضع نفسها على الحافة بين الرواية والنقد (2), إذ تأخذ الحافة تماما مثل المواضيع التي تطرحها.إلا أنه أيضا يطوق الأعمال التي هي بالكاد ما وراء القص عندما يقول" عندما ترى السارد أو الروائي الذي جرت مسرحته بوصفه آليات ووسائل السرديات الكبرى يعني أنه بإمكانك أن تفسر جزءاً كبيرا ومهما من التخييل بوصفه قصا ما ورائياً"(4).
وبقطع النظر عن الاختلافات اللطيفة بين التعريفات فإن معظم المنظرين يتفقون على أن ما وراء القص لا يمكن أن يصنف جنساً أدبياً أو صيغة تعريفية لرواية ما بعد الحداثة. يقترح المنظرون أيضا أن ما وراء القص يعرض" انعكاسية ذاتية يحفزها وعي المؤلف بالنظرية التي يرتكز عليها بناء الرواية " دون فصل ما وراء القص المعاصر عن الأعمال الأقدم التي تحتوي أيضاً على تقنية الانعكاسية الذاتية (Waugh 2).

 طيف تقنية ما وراء القص.
 أصبح تميز الفروقات بين خصائص ما وراء القص في ما بعد الحداثة أكثر تعقيدا لأن بعض أعمال الانعكاسية الذاتية ينطبق عليها تعريفات أكثر راديكالية. بعض ما وراء القص المعاصر يمكن أن يطلق عليه فوق القص surfiction أو ضد القص antifiction أو التخريف fabulation والرواية الباروكية الجديدة neo-baroque fiction أو رواية ما بعد الحداثة أو الرواية الانطوائية introverted novel والغرائبية irrealism أو الرواية المتولدة ذاتيا (Waugh 13).
حددت باتريشيا واو ثلاثة أنماط من ما وراء القص المعاصر: تدمير جون فاولز لدور السارد المحيط في روايته (امرأة الضابط الفرنسي، 1969) إذ يمثل النمط الأول الذي وصفته واو بأنه يزعج الاتفاق الخاص بالرواية. داخل النمط الثاني وضعت باتريشيا واو السخرية والتهكم الحاضرة في بعض الأعمال أو الصيغ الروائية فكانت رواية جون فاولز (مانتيسا، 1982) مثالا للمحاكاة الساخرة في ما وراء القص (Ommundesen 1-2). أما النوع الثالث فكان للأعمال التي يكون ما وراء القص فيها أقل ظهوراً مثل رواية ريتشارد بروتيجان (اصطياد سمك التراوت في أمريكا، 1967) فقد حاولت هذه الأعمال خلق تراكيب لغوية بديلة أو التدليل ضمنا على الأشكال القديمة بوساطة تشجيع القارئ على أن ينسحب من الاتفاقيات الأدبية التقليدية(Waugh 4).
بذلت (اومنديسون) جهودا للتمييز بين الجوانب الموجودة في ما وراء القص. قسمت ما وراء القص تبعاً لتوظيفها في ثلاث حبكات مجازية. الحبكة الأولى هي توظيف العملية الجنسية بوصفها رمزا لخلق الرواية , ووصفت الرمز الثاني بتوظيف التحقيق البوليسي نموذجا لنشاط القارئ, أما الاستعارة الثالثة فقد كانت بتوظيف بناء لعبة لعرض شفرة الأنظمة الروائية.
الخصائص:
على الرغم من أن خصائص ما وراء القص تتنوع تنوع طيف التقنيات الموظفة فيها, إلا أنه يمكننا تحديد ملامح مشتركة لما وراء القص. تظهر التقنيات بمصاحبة الملامح العامة أيضا, ولكنها يمكن أن تظهر منفردة. توظف رواية ما وراء القص مرجعيات تناصية وتلميحات عن طريق:
·        فحص الأنظمة الروائية.
·         دمج جوانب النظرية والنقد.
·        خلق سير ذاتية لكتاب متخيلين.
·        عرض ومناقشة الأعمال الروائية لشخصية متخيلة.
ينتهك كاتب ما وراء القصة المستويات السردية من خلال:
·        التطفل بالتعليق على الكتابة.
·         توريط نفسه مع الشخصية الروائية.
·         مخاطبة القارئ مباشرة.
·   استجواب الفرضيات والاتفاقيات السردية بوضوح وكيف أنها تحور وتنخل الحقيقة لإثبات أن لا وجود لحقائق أو معاني فردية استثنائية في النهاية.
توظف سرديات (ما وراء القص) تقنيات تجريبية وغير تقليدية بوساطة:
·        نبذها الحبكة التقليدية.
·        رفضها محاولة أن تصبح"حياة حقيقية".
·        تدمير الاتفاقيات لتحويل الحقيقة إلى مفهوم مشتبه فيه بدرجة عالية.
·        التباهي وتضخيم أسس عدم استقرارها.
·   عرض الانعكاسية (البعد الحاضر في كل النصوص الأدبية ومركز التحليل الأدبي أيضا), الوظيفة التي تمكن القارئ من أن يفهم العملية التي تمكنه من قراءة العالم بوصفه نصاً.
غرض ما وراء القص.
يعتقد المتحمسون أن رواية ما وراء القص اكتسبت دلالة أبعد من عوالمها الروائية عندما أبرزت إلى الخارج ميولها الانعكاسية الذاتية الداخلية. ومن المفارقة أنها أصبحت واقعا بتعمدها أن لا تكون واقعاً. يثبت مارك كيوري أن رواية ما وراء القص سمحت لقرائها فهما أفضل للبنى الأساسية للسرد بينما أعطت صيغة دقيقة لفهم التجربة المعاصرة للعالم بوصفه سلسلة من أنظمة متراكبة(7).

وبإظهاره دلالة ما وراء القص , يذهب كيوري بعيدا حين يقول أن ما وراء القص منح " صلاحية بلا حدود: "لما اعتقد في وقت ما أنه انطوائي, وذاتي المرجعية.إلا أنه في الحقيقة ذو مظهر مادي منفتح" (Currie 2). تقول واو: "بعيدا عن "الموت " فقد وصلت الرواية إلى اعتراف ناضج بوجودها بوصفها كتابة, الأمر الوحيد الذي يؤكد صلاحيتها المستمرة وعلاقتها بالعالم المعاصر الذي بدأ، بالمثل، يكتسب الوعي بكيفية تشكل قيمه وتطبيقاته واكتسابها الشرعية بصورة أكثر دقة"19)). 

تعليقات

  1. مرحبا دكتورة أماني الف شكر بداية لفكرك النير، لكني لاحظت وبعد قراءتي لعدة دراسات أن هناك مصطلحين الأول هو الميتاقص والثاني هو الميتاسرد فهل من فوارق بينهما أم أننا نتحدث عن معنى واحد. شكرا لك/فدوى العبود /سوريا

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة