"مفارقة التعبير": ميرلو-بونتي في (المرئي واللامرئي)

 

 "مفارقة التعبير": ميرلو-بونتي في (المرئي واللامرئي)

أماني أبو رحمة

(1)

في كتابه (المرئي واللا-مرئي)، يواجه موريس ميرلو-بونتي معضلة مفادها أنه في محاولتنا الاقتراب من الشيء من خلال التفسير أو التنظير، فإننا في الواقع ننعزل عن خبرة "نعرفها" مسبقًا. "إن العالم هو ذلك الذي أدركه، إلا أن قربه المطلق يصبح بدوره، بشكل مستغلق، بعدًا معضلًا جديدًا حين نتفحصه ونعبر عنه". يشرح ميرلو-بونتي الإحباط من عدم قدرة اللغة على نقل التفاصيل الدقيقة للخبرة المجسدة، والصعوبة التي تصاحب محاولة نقل الانطباعات خارج التناقضات الثنائية والفئات الثابتة. يكتب: "ولكن بقدر تعايش القناعتين دون عسر في مسيرة الحياة، بقدر ما تقوض أحداهما الأُخرى وبقدر ما تشيعان بيننا البلبلة اذا ما اختزلتا في اطروحات أو ملفوظات". قد تنخرط الفلسفة في محاولة التعبير عن خبرتنا عن العالم، لكنها في الوقت نفسه "ليست معجما وهي لا تهتم"بدلالات الكلمات"ولا تبحث عن بديل لغوي للعالم الذي نراه، وهي لا تحوله إلى شيء مقول". هنا يفتح ميرلو-بونتي المجال لأسلوب أدبي أكثر حرفية ليأخذ التعبير عن العالم من الفلسفة. وبالمثل، فإن عالم الرسم غير اللفظي، المرتبط مع الأدب بـ "رابطة مشتركة" هي التعبير الإبداعي، قادر على إيصال ما تفتقده النظرية. على الرغم من مهارة ميرلو-بونتي ككاتب، يشعر المرء أنه غير مرتاح في الجانر الذي اختاره، وأنه ربما كان يفضل أن يلتقط فرشاة ويرسم ما يحاول قوله. لأنه كما يكتب في (العين والفكر)، "الرسام، مهما كان، وبينما هو يرسم، يمارس نظرية سحرية للرؤية".

 الكتابة التي تنتج عن الاعتراف بهذا العجز لا بد وأن تكون غامضة ومبهمة، تتأرج بين التقدم والتراجع كما لو كانت تخشى تخويف الشيء الذي تحاول التقاطه. في الفصل الرئيسي من( المرئي واللامرئي) بعنوان (الإنشباك – التصالب)، يصل ميرلو-بونتي إلى قمة الشعرية في أُسلوبه و كأنه يسير على أطراف أصابعه وهو أقرب ما يكون إلى لب فلسفته: بالضبط عند تلك النقطة "الأكثر صعوبة" التي تتطابق فيها الأفكار مع تجسدها اللحمي في الكلمات. لا تزال الفجوات والغموض ومشاكل التعبير على المستوى الشكلي للنص تنعكس في الفلسفة نفسها. وربما من المفارقات أن ما يظهر هو فلسفة الامتلاء. إذ من خلال الإدراك، نختبر "كلية" معجزة تجبرنا على رفض الشك والقبول بالعلاقة بين الوعي والعالم مهما كانت غامضة، فـ"نحن نرى الأشياء نفسها، العالم هو ما نراه". يتميز النص في كل مستوى بالتفاعلات المعقدة بين الغياب والحضور - المرئي واللامرئي. يتجسد هذا الشعور بالمفارقة في مفهوم اللحم، الذي يستخدمه ميرلو-بونتي كنوع من "النموذج الأولي للوجود". تثير كلمة "اللحم" ردود فعل قوية ومتناقضة. إنه مثير ووحشي في آن واحد، يستحضر أفكارًا متزامنة عن الرغبة واللحم الميت، عن الصلابة والتحول. اللحم حقيقي بلا شك، ومادي؛ وأن يتجسد، "أن يُجعل لحماً"، يعني أن يُحضر إلى الوجود، أن يكون حتمًا "هنا". ولكن في نفس الوقت، فإن اللحم عرضة للتغيير. اللحم ينمو، يمكن أن يصاب، ويموت. إن لحم جسدي هو ما يحيط بي، ويشكل حدودي، بينما هوأيضًا أوضح نقطة مشتركة بيني وبين رفاقي من البشر. على الرغم من اعتراضات ميرلو-بونتي على أن ما يقصده من توظيف الكلمة "ليس مادة، وليس فكرا، وليس جوهرا"، لا يمكن أن يكون من قبيل الصدفة أن الاسم الذي يختاره لإعطاء هذا الجانب الأكثر مركزية في فلسفته عن الأنطولوجيا يستحضر معه كل هذه المادية والكثافة والجسدية. في الواقع، إنكاره للحمية اللحم، وإصراره على صرف أنظارنا عن تلك الأشياء التي تجذبنا اليها الكلمة بقوة، يخلق نوعًا غريبًا من الازدواجية التي يجب أن تكون جزءا من فهمنا لها. يتشكل هذا الفهم في فصل "الإنشباك - التصالب". هنا، تصبح الروابط بين نظرية الإدراك والأنطولوجيا أكثر وضوحًا من خلال استكشاف العلاقة بين الذات المجسدة والعالم. يقدم الفصل ليس فقط مفهوم اللحم، ولكن أيضًا مفاهيم مثل الانعكاس الإدراكي(المعكوسية)، والعلاقة التصالبية بين الجسد والعالم وتفاعل الجوانب المرئية وغير المرئية للخبرة.

في الفصل، تحضر الخبرة الجمالية كموقع لبروز مكثف للكينونة، ويطور ميرلو-بونتي حججه التي قدمها عن الرسم في (العين والفكر) فيما يتعلق بالموسيقى والأدب. وربما أن المثير بشكل خاص هو اقتراح نوع من الإبداع الانطولوجي. هناك نظرية للكينونة تنظر إلى الكائنات الفنية وكذلك إلى خبرة العالم من أجل الأهمية الانطولوجية وتعترف في كل عملية بالبناء النشط نفسه، بالصيرورة. يبدأ الفصل بفحص الطريقة التي يرتبط بها الجسد المُدْرِك بالعالم المُدْرَك، والذي يعيد ويوسع في الوقت نفسه ما بدأه ميرلو-بونتي في( فينومينولوجيا الإدراك). بين رؤيتي والعالم المرئي، يخبرنا ميرلو-بونتي بأسلوب مجازي، أن هناك "علاقة حميمة كالتي بين البحر والشاطئ". ومع ذلك، فإن هذه العلاقة الحميمة لا تميل إلى "انصهارنا فيه أو لانتقاله هو إلينا. إذا حينئذ ستتلاشى الرؤية لحظة حدوثها إما باختفاء الرائي او باختفاء المرئي". يصف ميرلو-بونتي ما يحدث على أنه نوع من العناية، أو "جس" للأشياء بالبصر الذي "يكسوها بلحمه" ويحفظ لها "وجودها السيادي". هذه العملية المتناقضة ظاهريًا ممكنة فقط إذا توقفنا عن التفكير في الشيء المرئي بوصفه "جزءا من كيان مطلق الصلابة، ومتعذر القسمة، ومتاحًا بكامل عرائه لرؤية لا يسعها إلا أن تكون تامة أو معدومة" واعتباره بالأحرى "ضربا من مضيق بين آفاق خارجية وآفاق داخلية منفرجة دوما وأنه شيء ما يأتي ليلامس بلطف وليجعل عن بعد جهات متعددة من العالم الملون أو المرئي تتصادى، أنه تخلق معين وقولبة عابرة لهذا العالم، واذًا ليس هو لون أو شيء بقدر ما أنه فرق بين أشياء وألون، إنه تبلًر مؤقت للكائن الملون أو للمرئية، فبين الألوان والمرئيات المفترضة سنلتقي من جديد بالنسيج الذي يبطنها ويسندها ويغذيها والذي هو ليس شيئا وانما امكان وكمون ولحم للأشياء". "شكله الدقيق" إذا محاصر في شبكة من العلاقات المتبادلة مع الأشياء المرئية الأخرى، كلاهما موجود على الفور وبعيد زمنيا ومكانيا. من خلال التفكير بالإدراك بهذه الطريقة، يأمل ميرلو-بونتي في إعادة اكتشاف ليس المحتويات الخفية للوعي القائم بذاته، ولكن النسيج الضام الذي يبطن[الأشياء المرئية] ويسندها ويغذيها والذي هو ليس شيئا وانما امكان وكمون ولحم للأشياء"." بينما لا يُقصد به أي نوع من الجوهر بالمعنى الديكارتي، فإن مصطلح "اللحم "، كما يعترف ميرلو- بونتي، ليس مطابقة، و"لا تشبيه أو مقارنة غامضة". إنه يشير إلى "العلاقة الحميمة للتناغم المحدد مسبقًا" التي للجسد الرائي مع الأشياء المرئية؛ هذا هو السبب في أنني لا أرى الأشياء عن بُعد فحسب، بل إن نظري "يحيط بالأشياء المرئية ويجسها ويقترن بها.... وكأنما كان يعرفها قبل أن يعرفها".

طور ميرلو-بونتي فكرة أن الإدراك ينطوي على مشاركة نشطة من الأشياء المدركة من خلال فكرة الانعكاس الإدراكي. تم تقديم هذا الانعكاس لأول مرة ليس من خلال مفهوم الرؤية، ولكن من خلال اللمس.بعبارة أخرى، "إن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا إذا كانت يدي المحسوسة من الداخل يمكن الوصول اليها كذلك في نفس الآن من الخارج، فهي ملموسة هي ذاتها بالنسبة ليدي الأُخرى على سبيل المثال، واذا أخذت مكانها بين الاشياء التي ألمسها تكون بمعنى منا واحدة منها، وتفتح في النهاية لى كيان ملموس هي كذلك جزء منه". كما هو الحال مع تجربة اللمس، كذلك الأمر بالنسبة لمجالات الإدراك الأخرى؛ بالإضافة إلى تداخل أدوار الذات والكائن، هناك تداخل (بدون تطابق) بين عوالم الملموس والمرئي. "يجب علينا"، كما يقول ميرلو-بونتي،" أن نعود أنفسنا على التفكير بأن كل ما هو مرئي محفور في الملموس، وكل كائن ملموس موعود بطريقة ما بقابلية الرؤية". يكتب في مكان آخر، "هذا التداخل غير العادي، الذي لا نفكر فيه أبدًا بشكل كافٍ، يمنعنا من تصور الرؤية كعملية فكرية من شأنها أن تضع أمام العقل صورة أو تمثيلًا للعالم، عالمًا من الجوهر والمثالية ". بدلاً من ذلك، يصبح النظر عملية حساسة. نظري ليس شيئًا يبقى داخل جسدي كتمرين لعقلي، بل إنه يتصل بالأشياء التي يراها. مثلما أمد يدي نحو ما ألمسه، وأوجد اتصالًا بين الجزء الخارجي من جسدي وسطح الشيء، كذلك تمتد رؤيتي للخارج، مما يخلق مسارًا للتفاعل بين آفاق جسدي وذلك الشيء المرئي. ما يظهر هنا هو عكس فكرة أن المكفوفين "يرون" الأشياء من خلال استخدام أيديهم. هذا هو شكل من أشكال اللمس من خلال العيون، "جس بالنظر". إذا أخذنا ذلك في الاعتبار ضمن هيكل الانعكاس، فسيترتب على ذلك أن الأشياء التي أنظر إليها أيضًا "تجسني"، تلمسني؛ إن النظر إلى العالم يعني أيضًا الشعور به، وأن تُرى يعنى أن تُلمس أيضًا. فبدلاً من الرؤية المنبثقة من الذات أو من العالم، تحدث الرؤية عندما يكون هناك تفاعل، "تبادل"، عندما يعود جزء من المرئي (على سبيل المثال، أنا) إلى بقية ما هو مرئي (مثل العالم). لذلك تتشكل الرؤية على أنها "رؤية [...] في حد ذاتها، والتي لا تنتمي إلى حقيقة الجسد ولا إلى حقيقة العالم - كما لو كانت على مرآتين تواجهان بعضهما البعض". لا تنتمي الصور المنعكسة إلى أي من السطوح على وجه الخصوص، بل "تشكل زوجا، زوجا أكثر واقعية من أي منهما". لذا فإن الرائي، وهو منخرط في ذلك الذي يراه، ما يزال هو ذاته الذي يرى ذاته؛ أنا نفسي مرئي ضمن المرئي الذي أوجه رؤيتي إليه. ومن ثم، "هنالك نرجسية أساسية لكل رؤية". لكن هذا لا يأتي فقط من حقيقة أنني أرى نفسي في المرئي، بل كما لو أن الأشياء المرئية توجه نظراتها إليّ، كما لو أنني اختبر نفسي ليس فقط كمن يُرى من الخارج، ولكن في الواقع "مرئي من قبل الخارج". بهذا المعنى، "الرائي والمرئي يتبادلان بعضهما البعض ولم نعد نعرف من يَرى ومن يُرى"؛ هناك "رؤية" مجهولة وعامة. هذه العمومية التي تقع "في منتصف الطريق بين الفرد المكاني والزماني والفكرة، نوع من مبدأ مجسد يجلب معه اسلوب كيان في كل مكان يوجد فيه جزء صغير منه" هي ما يُطلق عليها اسم اللحم، الذي هو بهذا المعنى :اسطقس" كينونة. يربط عصبها بين الإنسان واللاإنساني، وتصبح الأشياء، "الخارج"، متحركة، وتعمل كبصاصين دائمين على كياننا.

وتمامًا كما انهار الحد الفاصل بين وعيي بالأشياء التي أراها والأشياء نفسها، كذلك بين الخط الفاصل بين الاستعارة والحقيقة. يطرح ميرلو-بونتي احتمال أن يكون لرؤيتي تأثير على العالم الخارجي الذي أنظر اليه الذي ينظر اليً. تصبح خبرتي مع العالم " ذلك الاختلاط بالعالم الذي يتجدد عندي كل صباح مذ افتح عيني، وإلى تيار الحياة الادراكية هذا الذي بيني وبين العالم والذي لا يكف عن الخفقان صباح مساء، والذي يجعل أفكاري الأكثر سرية تغير عندي ملمح الوجوه والمناظر كما بالمقابل تساعدني الوجوه والمناظر تارة وتهددني طورا بما تبثه في حياتي عن الكيفية التي أكون بها إنسانا".

ومثلما رأينا في (فينومينولوجيا الادراك)، يترك ميرلو-بونتي الأمر غير واضح على مستوى ما ما إذا كان تحول الظواهر المادية يحدث بالفعل أم أنه ظاهر فقط، هنا فقط يتضاعف التأثير، وتصب الأشياء الخارجية تحولها الخاص في عين المراقب. من الطبيعي أن يكون لهذه الكيونة-في- العالم آثار على مستوى الذات. تتأرجح الكينونة بين مضاعفة الذات وخسارة الذات. يتم تدمير فكرة الوعي الأنانوي لصالح الذات التي تعتمد على الخارج، مما يؤدي إلى انهيار الفروق الديكارتية الصارمة بين الذاتية والعالم المادي. يبدو أن نوع الإنسانية الذي توصلنا إليه علاقة الانعكاس في نهاية المطاف هو نوع " أنا ' يتضاءل في وجه شيء يتجاوزني، في مواجهة لحم يغلف كل شيء. يصبح العالم المادي الذي يمكن إدراكه والذي أشارك فيه في مثل هذه العلاقة الحميمة "حماية" و "تهديدًا". إنه يجلب لي امتلاءً وواقعية ومعنى لا مثيل له، ويعزز نفسي مرتين، لكن هذا بالضرورة يجلب معه قلقًا متزايدًا. لقد امتد احتمال الأذى الشخصي إلى ما هو أبعد من حدود الذات لتشمل محيطها المادي. "أنا" مدعوم ومختزل ومضاعف ومنفسم.

ومع ذلك، فإن لحظة التبادل العكسي، النقطة الدقيقة للتحول بين المدرك والمُدرك "هي دائمًا متأصلة ولم تتحقق أبدًا في الواقع". النقطة التي عندها حالتي كذات مدرِك وككائن مدرَك لا تُتاح لي أبدًا: لا يمكنني لمس نفسي وهي تلمس. لا يمكنني أبدا أن اتطابق تماما مع نفسي. على الرغم من وجود تبادل انعكاسي للموضوع والكائن، يجب أن يظل موضوع الإدراك منفصلاً ومتميزًا عن الكائن المدرك من أجل إدراكه.

"يدي اليسرى دائمًا على وشك أن تلامس اليمنى وقد لمست الأشياء، لكنني لم أصل أبدًا إلى التطابق؛ إن التطابق يتسرب في لحظة التحقق [...] انا اختبر - وبقدر ما أرغب في كثير من الأحيان - الانتقال والتحول من خبرة إلى أخرى، ويبدو الأمر كما لو أن المفصل بينهما، صلب، لا يتزعزع، ظل مخفيا عني بشكل لا يمكن إصلاحه".

هناك، إذن، فجوة، ثغرة، غياب في صميم خبرتي، ووجودي؛ في الواقع، حضوري لنفسي مؤجل باستمرار. ومع ذلك، فإن هذا التأجيل المستمر للوجود يختلف عن نوع التأجيل الذي وصفه دريدا. بالنسبة له، فإن اللعب بين الدوال لا يصل أبدًا إلى أي حد نهائي، ويتبدد مفهوم الحضور. لكن بالنسبة لميرلو-بونتي، كشف لنا "الإيمان الإدراكي" أن العالم موجود بالفعل، وأننا ندركه حقًا. هناك شيء ما وراء الإدراك (وما وراء اللغة) يشير إليه، تجربة بدائية قبل التأمل. لذا فإن الفجوة في قلب الخبرة ليست لا شيء حقًا، "ليست فراغًا وجوديًا، أو لا وجود: إنها امتداد من خلال الكيان الكلي لجسدي وجسد العالم؛ إنه صفر الضغط بين اثنين من المواد الصلبة التي تجعلها تلتصق ببعضها البعض".

وبالتالي، فإن الفجوة أو الاختلاف بين مصطلحين لا تعمل بنفس الطريقة التي يعمل بها الديفيرانس الدريدي، الذي يفصل أو يفكك، والذي يأخذنا إلى الأبد إلى ما وراء عالم الامتلاء أو الوجود. من المفارقات أن الفجوة أو الاختلاف بالنسبة إلى ميرلو-بونتي هي نوع من القوة الموحدة. الفراغات الموجودة في الما-بين ليست فراغات خارجية للإبادة، لكنها جزء من نسيج الجسد. إن الحضور ليس مفككًا ولكنه ينبني على عدم التطابق، على الاختلاف: "الحضور الذاتي هو حضور لعالم متمايز". أنا والأشياء جوانب مختلفة من بدن واحد. نسيج المرئي مستمر وأي شيء يظهر بداخله منسوج بشكل لا ينفصم مع الأشياء من حوله، بالإضافة إلى الأشياء المرئية الأخرى غير الموجودة، الأشياء التي بالنسبة لي، يرتبط لها الشيئ. أنا جزء من نسيج رؤية هذا الشيء أيضًا، وبالتالي فأنا أحد الأشياء التي يرتبط بها. الفراغ بين الأشياء، مثل الفجوة في مركزي، مملوء باتساع جسدي والعالم، بسمك اللحم.

إن الفجوة في كينونتي ليست غيابا بالضبط. ليست فقدا بشكل نهائي، لكنها متاحة من خلال تقريبها، تمثيلاتها لنفسها. إن "النقص" ذاته للعنصر المفقود يبني خبرتنا معه حتى عندما لا ينتقص من سيادته أو من إيماني بحقيقة وجوده. قد يكون جسدي هو الوسيلة الوحيدة التي أمتلكها للمجيء إلى العالم، لكن التأثير المتقلب والمحدود لوساطته لا يعني أن الشيء نفسه يتقلب أو يكون محدودًا: "إن حراك المظهر لا يكسر يقين الشيء ". مثلما لا يمكننا لمس شيء ما دون تغطيته بجزء من أجسادنا - يدنا على سبيل المثال - كذلك من المستحيل رؤية شيء ما دون تغليفه بأنظارنا. هذا "التستر" أو النقطة العمياء لا يمنعني من تجربة الأشياء نفسها، "فالأمر لا يتعلق بطبقة أخرى أو بحجاب قد يأتي ليقوم بين الأشياء وبيني ". في الواقع، هذه النقطة العمياء هي التي توفر وسيلتي الوحيدة للإقتراب.

*الاقتباسات في النص من ترجمة الدكتور عبد العزيز العيادي لكتاب"المرئي واللامريئ"

      (2)

في (المرئي واللامرئي)، يشرح ميرلو-بونتي العلاقة المعقدة بين مفهومي الحضور والغياب، والمرئي واللامرئي. يصف ميرلو-بونتي هذه العلاقة بأنها "النقطة الأصعب، أي الرابطة بين اللحم والفكرة، بين المرئي والبنية الداخلية التي يبديها ويحجبها". "النسيج الجسدي" للمحسوس (سواء كان موسيقى أو كلمات أو أضواء) "يقدم لنا ما هو غائب من كل لحم؛ إنه خط يرتسم سحريًا تحت ناظرينا دون راسم، أنه تجويف ما، أو داخل ما، أو غياب ما، وسالبية ليست "لاشيئا"،[...] ونحن لا نرى الأفكار ولا نسمعها، ومع ذلك هي هناك خلف الأصوات أو بينها، خلف الأضواء أو بينها، ويمكن التعرف عليها بواسطة طريقتها الخاصة دائما، والفريدة دوما في الاحتماء خلف الأصوات والأضواء". هذا يذكرنا بالفجوة الموجودة في مركز الإنسان بين الجسد كذات وككائن، والتي هي أيضًا "ليست فراغًا وجوديًا" ولكنها تمتلئ بكثافة اللحم. وبالطريقة نفسها، فإن الغياب في قلب المحسوس يتسم بالشعور بالامتلاء. إن خبرة الفكرة التي تقع في قلب الخبرة المادية هي خبرة ذات أهمية بالغة. ففي "الآن التي أقول فيها " ضوء" وفي الآن التي يصل فيها الموسيقيون إلى "الجملة المقتضبة" ليس ثمة ثغرة في داخلي،" وما أحياه متين وواضح قدر ما سيمكن أن تكون عليه فكرة ايجابية من متانة ووضوح". الأفكار الموسيقية أو الحسية "تمتلكنا" من خلال الخبرة، وليس العكس، "على وجه التحديد لأنها سالبية أو غياب محدد"، لأنها مساحة للصيرورة النشطة، والإمكانية.

يمكن فهم هذه المسألة المركزية المتعلقة بالعلاقة بين المرئي واللامرئي بشكل أفضل في مناقشة ميرلو-بونتي للتعبير الإبداعي والتمثيل، التي تنبثق من مناقشته للبينذاتية. فنحن، بالطبع، لا نتفاعل مع العالم من خلال الأشياء المادية فقط. إن قوة الإدراك تتجاوز حدود الجسد، وقابلية الذات تجاه قوة الخارج تلعب أيضًا دورًا في مفهوم ميرلو-بونتي للعلاقات بين الذات والآخرين. يُقال إن الطريقة التي نرى بها العالم قد يكون لها تأثير على رؤية الآخر. إذ من خلال الانخراط في التواصل مع شخص آخر، و"من خلال عملية مطابقة جسده وجسدي، فإن ما أراه يمر إليه، هذا الأخضر الفردي للمرج المنبسط تحت عيني يغزو رؤيته دون أن يفارق رؤيتي، وأتعرف على أخضري في أخضره ". إن فكرة اقتحام رؤية شخص ما لرؤية آخر هي فكرة غير عادية، فكرة شريرة عن استحواذ عفاريتي. ينعكس هذا المعنى في كتابه (العين والفكر) حيث يصف ميرلو-بونتي البينذاتية بمصطلحات المطاردة. يتحدث عن "الآخرين"، "ليس فقط كمتجانسات تتشارك الجنس نفسه، كما يقول عالم الحيوان، ولكن الآخرين الذين يطاردونني والذين أطاردهم؛ "الآخرين" الذين أطارد معهم كينونة واحدة وحاضرة وفعلية. حيث لم يطارد حيوان قط تلك الكائنات من نوعه، أو مكانه، أو موطنه". ومع ذلك، من الضروري أن نتذكر أنه بالتزامن مع هذا الوجود الشبحي للناس لبعضهم البعض، هناك تفاعل جسدي ومادي. في الواقع، إن وجود أجساد أخرى هو الذي يعيدني إلى وجودي كجسد موجود في العالم. في علاقتي التبادلية مع العالم الذي يقطنه بالبشر وغيرهم، تنعكس رؤيتي لي كما في المرآة. وبمجرد أن تعاد نظرتي إلي من قبل شخص آخر، فإن هذه الصورة "الشبحية" تتبدد، وتُستبدل بإحساس بالعمق الذي يردد صدى ما أختبره في نفسي. وجود الآخر "يفضح الوهم الأنانوي المتمثل في اعتقاد أن كل تخط هو تخط تم تحقيقه من قبل الذات". من خلال هذه القابلية الكاملة للانعكاس، تنبثق هذه التجاسدية البينية، فكرة العمومية، أو الكينونة بشكل كامل. "تائهًا خارج العالم والأهداف، مفتونا بانشغاله الوحيد الذي هو تموجه في الكينونة بحياة أخرى، وبأن يكوّن لنفسه خارج داخله وداخل خارجه. ومذّاك، فإن الحركة واللمس والرؤية وهي تنطبق على الآخر وعلى أنفسها، إنما تعود إلى منابعها، وفي العمل الصبور والصامت للرغبة، تبدأ مفارقة التعبير".

العلاقة بين الذات والآخر، إذن، علاقة حسية بين الأجساد، يتم فيها تبادل الوظائف الإدراكية ومضاعفتها. "الجسد [...] يحتضن جسدًا آخر، وينطبق عليه جديًا في كامل مداه". حتى عندما يكون للذات حضور يمتد إلى ما وراء حدود الجسد في أنشطة الإدراك، إلا أنه مرتبط بكثافة الجسد. إن الجسد ليس مجرد "جسدية كثيفة"؛ يعمل الجسد أيضًا على مستوى يتجاوز مجرد الرؤية واللمس. يظهر الاندماج بين اللحم المادي وجوانبه المرئية واللامرئية بشكل أوضح في التواصل الإيمائي والصوتي بين الأجساد، في"انبثاق اللحم كتعبير" الذي يصل إلى ذروته في الإبداع الفني.

 التجربة الجمالية قادرة على الكشف عن شيء خاص في العلاقة بين الجسد والأفكار. في كتابه (العين والعقل)، يربط ميرلو-بونتي بين الأسلوب الفني والفلسفة: "أي نظرية للرسم هي ميتافيزيقيا". ويقارن بين الأنطولوجيا الديكارتية وما يسميه الفلسفة "الحداثية"، ويربط الأولى بالنمط الكلاسيكي للرسم القائم على منظور هندسي والأخيرة بالرسم الحداثي الذي يكسر تلك القواعد الخطية لصالح التركيز على اللون. يبدو أن الأسلوب أو الشكل والأفكار أو الفكر لا ينفصلان. ومن المفارقات إذن، أننا أقرب إلى المعنى والحقيقة، إلى شيء أصيل، عندما نكون في عالم المُبْتَدَع، المُشَيّد فنياً. يكتب ميرلو-بونتي " ذلك أن الفن والفلسفة معًا هما حقا ليسا منتجيين اعتباطيين في عالم ما هو"روحي" عالم الثقافة، وإنما هما صلة بالكينونة حقا من حيث هما إبداعان، فالكينونة هي ما يتطلب منا إبداعا حتى تتسنى لنا تجربتها". يبدو، إذًا، أن الوجود متلازم مع التخيل الإبداعي.

لا ينطبق هذا على الفن المرئي فحسب، بل ينطبق أيضًا على مجالات التعبير الإبداعي الأخرى، بما في ذلك الأدب."فاللغة يمكنها أن تسند بترتيبها الخاص معنى ما، وأن تحوزه داخل حلقاتها الخاصة، وأن تقوم بذلك دون استثناء كلما كانت لغة آسرة وفاعلة وخلاقة". لا أحد كما بروست، يقول ميرلو-بونتي، ذهب إلى أبعد ما يكون "في تثبيت علاقات المرئي واللامرئي وفي وصف فكرة ليست هي نقيض الحسي بل هي بطانته وعمقه". إذ من خلال الأدب، والموسيقى والمشاعر، وتجربة العالم المرئي، كما يقول، ننخرط في "استكشاف لامرئي ما، تعرية لعالم من الأفكار" بقدر ما نقوم بذلك من خلال نظريات العلم. ولكن، وعلى النقيض من الأفكار العلمية، فإن هذه الأفكار لا تنفصل عن مظاهرها الحسية و"لا يتيسر انتصابها في إيجابية ثانية"؛ محتواها مرادف لشكلها. هذه الأفكار المحسوسة لا يمكن وصفها أو حصرها، لا يمكن إلا اختبارها في تجربة حسية مباشرة ومميزة.

وبالتالي، فإن هناك لغزًا معينًا مرتبطًا بتماسك الفكرة؛ إذ كلما حاولنا فهمها، و"كلما أردنا الوصول إليها مباشرة أو الإمساك بها أو تطويقها أو رؤيتها دون حجاب، نشعر فعلا أن المحاولة هي معنى معاكس وأنها تبتعد بقدر ما نقترب منها". من العبث محاولة تخطي التمثيل الفني إلى الفكرة المحفزة، من العبث التفكير من منظور هذا "التخطي". الفكرة ليست بشيء ينتظر رؤيته "شريطة ازاحة الستار الذي يحجبه، هنا على العكس من ذلك، ليس ثمة رؤيا دون ستار". هذه الأفكار، إذن، غير قابلة للتمثيل إلا أنه، في الوقت نفسه، لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال شكل من أشكال التمثيل.

يقترح ميرلو-بونتي أن الرسام حساس بشكل خاص لهذا النمط من الفهم الحسي. إنه يتعرف على الروابط والمعاني في العالم المرئي ويحررها من "الاختناق في سبات الأشياء"، ويخلق لها "جسدًا أكثر رشاقة" من خلال تلاعبه بالطلاء على القماش. يتكون إبداع الفنان، إذن، في تقديم "الحد الأدنى من المادة اللازمة للمعنى كي يظهر نفسه". في عملية مماثلة، "يُذيب الشاعر اللغة العادية" في شكل جديد. في العمل الفني العظيم، المرئي أو اللفظي، تُمنح إعادة ترتيب العالم هذه معنى جديدًا أو إضافيًا، "الاضطراب هو دائمًا نظام آخر. إنه نظام جديد من التكافؤات الذي يتطلب هذا الاضطراب وليس أي اضطراب، وباسم علاقة أكثر صدقًا بين الأشياء، يتم قطع روابطها العادية ". لا تقدم لنا الرؤية الفنية والإبداعية نسخة رديئة من واقع موضوعي، ولكن مع واقع أكمل، واقع أُضيف له جسد الإنسان. "العين هي أداة تحرك نفسها، وسيلة تخترع غاياتها الخاصة؛ إنها تلك التي تحركها بعض تأثيرات العالم، والتي تعيدها بعد ذلك إلى المرئي من خلال دوائر يد رشيقة". إن العين واليد المعنية هنا، كمكونات للوعي المتجسد، هما أكثر من مجرد مستقبل لأشعة الضوء أو مناور للفرشاة؛ تتضمن عملية ترجمة الفنان للعالم إلى رسم جانبًا نفسيًا أيضًا. اللوحة "تقدم لأبصارنا، حتى تنضم إليها، الآثار الداخلية للرؤية [...]، إنها تقدم رؤية نسيجها الداخلي، النسيج الخيالي للواقع". إن إدراك الأشياء المرئية لا يتم التوسط فيه فقط من خلال الجسم البيولوجي، ولكن من خلال الجسد النفسي. إنه ليس مرتبطًا بالوعي فقط بل باللاوعي: في الواقع، في مرحلة ما، ذهب ميرلو-بونتي بعيدًا إلى حد اعتبار أن "الإدراك هو اللاوعي". ومثلما لا يمكن العثور على الفكرة المحسوسة خارج التجربة الحسية أو خلفها، كذلك يجب أيضًا البحث عن "اللاوعي ليس في أعماقنا، ووراء ظهر " وعينا"، بل أمامنا بصفته تمفصلا لمجالنا. إنه "لا وعي" لأنه ليس موضوعا، وإنما هو ما به تكون موضوعات معينة ممكنة، إنه الجمهرة التي نقرأ بها طالعنا. إنه بين الموضوعات شأن ما تكون بين الأشجار المسافة الفاصلة التي بينها، أو كأنه مستواها المشترك، إنه الشركة الأصلية لحياتنا القصدية وهو تداخل الآخرين وأيانا وتداخلنا واياهم".

بول سيزان هو الرسام الأكثر حضورا في نصوص ميرلو-بونتي. في مقالته (شك سيزان) التي نشرت عام 1945 يشرح ميرلوبونتي الأهمية الفلسفية الكبيرة لرسومات سيزان الناضجة (بعد مرحلته الانطباعية)، مؤمنا أنه هو وسيزان متورطان في المشروع ذاته. لقد تمكن سيزان من التعبير مباشرة من خلال ضربات الفرشاة الملونة عما تحاول الفينومينولوجيا الوصول إليه بشكل غير مباشر من خلال اللغة الفلسفية فقط: الإدراك ما قبل الإنعكاسب، ما قبل النظري، ما قبل العلمي. في مقدمة( فينومينولوجيا الإدراك)، يوضح ميرلو-بونتي استحالة تحقيق (ايبوخية) فينومينولوجية كاملة، أو وضع الموقف الطبيعي بين قوسين. ومع ذلك، يعتقد أنه من خلال وسيط الرسم (بدلاً من اللغة الفلسفية) نجح سيزان في تقديم تصور ما قبل علمي لما هو مرئي. وعلى عكس الفيلسوف، الذي ربما يعرض تعبيرُه اللفظي الخبرةَ لخطر تشويهها لأنه يستخدم نفس التمثيلات الموضوعية المستخدمة في الوصف العلمي، يمكن للرسام أن يجلب سمات تلك الخبرة إلى وضوح أكبر. وبدلا من " البدائل الجاهزة التي تقترح عليه؛ المشاعر ضد العقل، الفنان الذي يرى ضد الفنان الذي يفكر، الطبيعة ضد النظام والتناسب، الفطرة ضد الحرفة"، رسم سيزان بطريقة أصلية: "كان يبحث عن الواقع من دون التخلي عن السطح الحسي، وبدون مرشد له سوى الانطباع الفوري عما يراه في الطبيعة، من دون خطوط خارجية تحتوي الألوان، من دون تنظيم منظور أو تصور مسبق، مشيرًا إلى أنه سعى "إلى تطوير علم بصري، يستطيع من خلاله أن يعبر عن رؤية منطقية، رؤية لا يدخلها العبث". وبالانتباه إلى الشيء الحقيقي بالإضافة إلى مظهره لحواسنا المتغيرة، صور سيزان كيف أن العالم، بالنسبة للمشاهد، قد ظهر إلى الوجود بالفعل ولا يزال كمساحة مكونة من معالم فردية. اشتهر سيزان برسم تشوهات منزلقة للمنظور، ما أسماه الفيلسوف "منظور معيش" (بدلاً من النوع الخطي الموضوعي. على نفس المنوال، كان سيزان في بعض الأعمال يشير مرارًا وتكرارًا إلى تعدد الخطوط حول شخصية (رفض صورة ظلية واحدة نظيفة)، وبالتالي تخريب أي انطباع قد يكون لدينا بأن الخطوط الخارجية للأشياء موجودة قبل تصورنا الإبداعي لها. يكتب ميرلو-بونتي، عندما تُرى صور سيزان بشكل كامل، لا تعود تشوهات منظورهم مرئية في حد ذاتها، بل تساهم، كما هو الحال في الرؤية الطبيعية، في الانطباع عن نظام ناشئ، عن كائن في فعل الظهور، يُنظم نفسه أمام أعيننا."يضعنا سيزان في عالم طبيعي فريد في مشاهده وبألوانه. عالم قلما يفطن البشر إلى ممكناته، عالم سابق أولي يضاف إليه البشر، ولا يتميز فيه الإنسان عن غيره إلا بملكة النظر، أي لكونه قادرًا على الرؤية. وبمجرد الرؤية سيتخلى المشهد الطبيعي عن صمته بل سيتحول إلى مشهد ناطق وتحديدا إلى "مشهد يفكر وأنا وعيه". سيفضي بنا هذا الأمر إلى وضع جمالي تعبيري، وضع يكون فيه الفن عامة، والرسم خاصة، ذا وظيفة تواصلية وتعبيرية "فالعين تتعلم من ملامستها للطبيعة وتصبح أكثر تركيزًا لو ثابرت على الرؤية والعمل". لم يقصر سيزان نفسه على تعديل الطرق الفنية التقليدية لتمثيل المنظور، ولكنه لفت الانتباه أيضًا إلى عملية بناء المعنى الذاتي بحيث" يبدو أشخاص سيزان غريبوا الأطوار، وكأنهم مخلوقات من عالم آخر. بل إن الطبيعة نفسها قد عزلها عن الظواهر التي اعتدنا رؤيتها فيها: فلا رياح في المناظر الخلوية، ولا حركة في لاك دي أنيس، وتتردد الأجسام الساكنة كأنها على أعتاب بداية العالم. إنه عالم غير مألوف يشعر فيه المرء بعدم الارتياح، ويمتنع فيه أي تدفق عاطفي إنساني." في هذا، اعتقد ميرلو-بونتي أن الفنان كان يحاول تقديم العملية التي يبني بها الإدراك معاني الأشياء أو الأشخاص الآخرين من خلال الخبرة، حيث يقول "توقف لوحات سيزان تلك العادات في التفكير وتكشف أساس الطبيعة البكر التي أقحم الإنسان نفسه فيها". تمسّك سيزان بعناد طوال حياته بهدفه المتمثل في تصوير تعبير فني جديد. ومع ذلك، كما يتضح من عنوان المقال(شك سيزان)، فقد كان يعاني من الشك فيما إذا كان ما عبّر عنه سيصبح ذا مغزى للآخرين، يشرح ميرلو-بونتي بوضوح هذه الحالة العصبية من عدم المعرفة: "ولأن الفنان يعود إلى مصدر السكون والتجربة المتفردة التي بنيت عليها الحضارة وتبادل الأفكار من أجل أن يفهم هذا العالم، فهو يبدأ عمله تمامًا بالطريقة التي نطق بها الإنسان أول كلمة، وهو لا يعرف إن كانت مجرد صرخة، أو كلمة ستنفصل بنفسها عن تيار الحياة الفردية التي تعود أصولها إليها، ويكون لها وجود حر بمعنى محدد سواء بالنسبة لمستقبل هذه الحياة الفردية أو بالنسبة لجوهر الأفراد أو بالنسبة لمجتمع مستقبلي مفتوح. فلا يكمن معنى ما سيقوله الفنان في أي مكان- لا في الأشياء، التي لم تكتسب معناها بعد، ولا في الفنان نفسه، بتجربته التي لم تكتمل بعد. إنه يستدعيه بعيدًا عن العقل المتشكل بالفعل، الذي انغلق على نفسه، وقنع به "المتحضرون"، يستدعيه إلى عقل آخر يحتوي على عناصر تكوينه".

ما يعبر عنه سيزان، وبشكل عام، الفنان، لن يكون فكرة واضحة المعالم، "لأن مثل هذه الأفكار الواضحة هي تلك التي قيلت بالفعل داخل أنفسنا أو من قبل الآخرين". وبالتالي، فإن موقفًا مثل موقف سيزان، المميز بأصالة نادرة، لا يمكن أن يفهمه المشاهد من خلال مساواة أعماله بأنماط التمثيل الفنية السابقة الأخرى - بل إن معناها غير مفهوم في المقام الأول. يكتسب عمل الفنان معنى وصدى من عالم الذوات المتعددة وتفاعلها البيني الذي يقع فيه الفنان وليس فقط من خلال تعبيره عن شيء ما: "فالفنان لا يفعل شيئًا سوى أن يكون الصورة، وعليه الانتظار حتى تحيا هذه الصورة في نفوس الآخرين. عندها سيوحد العمل الفني بين حياة مختلف الأفراد؛ لن يتواجد فقط داخل فرد واحد مثل حلم مٌلحِ أو هذيان متكرر، ولن يتواجد فقط في فضاء الواقع كقطعة “كنفا” ملونة، بل سيتجول ككل لا يتجزأ بين عقول عدة، وسيغدو مؤثرًا على كل عقل فردي يتلقاه، كما المدركات التي تترك انطباعات دائمة لدينا".

إن لوحة سيزان ليست تقليدًا لأي شيء، ولا منتجًا للذوق الرفيع (كما اعتُبر الفن من قبل أفلاطون في الحالة الأولى ومن قبل كانط وهيوم في الحالة الثانية)، ولكن "عملية تعبير" لما هو موجود في الإدراك: "يحول الفنان ما كان سيظل بدونه محبوسًا في عالم معزول إلى موضوعات مرئية، والشعور الرئيس الذي ينتاب الرسام آنذاك هو شعور بالغرابة تجاه العالم، شعور تصاحبه أنشودة واحدة لعملية إعادة ميلاد متواصلة تواصل الوجود من حولنا". الفنان هو "من يحول الأمر كله إلى مشهد منظور، أن يجسد بصورة مرئية كيف يتماس العالم معنا. ولا يكفي رسامًا مثل سيزان، أو فنانًا أو فيلسوفًا، أن يبدع ويعبر عن فكرة ما؛ عليه أيضًا إحياء التجارب التي تجعل لأفكاره جذورًا في وعي الآخرين".

·  الاقتباسات في النص من ترجمة الدكتور عبد العزيز العيادي لكتاب (المرئي واللامرئ)، وترجمة بدر الدين مصطفى لمقالة (شك سيزان).

(3)

في عام 1960، أي العام الذي سبق وفاته والوقت الذي كان يعمل فيه على )المرئي واللامرئي(، كتب ميرلو-بونتي مقدمة كتاب) L'Oeuvre de Freud ( لمؤلفه انجيلو هزنار، بناءً على طلبه. تكشف هذه المقدمة، التي تحمل عنوان (الفينومينولوجيا والتحليل النفسي)، عن أوجه التشابه التي حددها ميرلو-بونتي بين عمله وعمل فرويد. يرفض ميرلو-بونتي الجوانب السببية للنظرية الفرويدية، لكنه يرى في توجه فرويد نحو الفعل والخبرة البشرية تشابها ذي مغزى مع أفكاره. يركز نقد التحليل النفسي على وسائل التعبير التي يوظفها فرويد. وتأتي كراهية نظريات فرويد إلى حد كبير، كما يقترح، من سوء فهم العمل بسبب هذه الإخفاقات في التعبير. يقتنع ميرلو-بونتي "[...] أن التحليل النفسي يستند إلى فكرة يتم التعبير عنها بشكل غير مباشر للغاية في بعض المفاهيم الفرويدية". وهو يربط هذا التوظيف "للصور البدائية" بأصول التخصص في العلوم الطبية. ويرى إن وضع التحليل النفسي المتنامي كـ "أيديولوجية [...] عنصرا من عناصر ثقافتنا" يتطلب لغة أكثر تطوراً.

يدعي ميرلو-بونتي أن "عبقرية فرويد ليست تعبيرًا فلسفيًا أو شاملًا؛ إنها تكمن في اتصاله بالأشياء وإدراكه لتعدد أشكال الأعمال، والأفعال، والأحلام، وتدفقها وارتدادها، ومن الانقلابات المضادة، والصدى، والاحلال، والتحولات. فرويد هو سيد الاستماع إلى ضوضاء الحياة المشوشة". ومع ذلك، فإن اللغة التي تصوغ هذا" الحدس الهائل للتبادل - تبادل الأدوار، تبادل الروح والجسد، الخيالي والواقعي - هذا الاختلاط العام [...] يؤدي إلى سوء فهم بين فرويد والقارئ المتسرع".

يقرأ ميرلو-بونتي دقة الإدراك الحسي عند فرويد، قوة "الحدس"، الحس الداخلي والانفتاح، على ما يبدو، على التحول أو "التشوش الشامل" الذي يشكل قلب "فلسفة الغموض" الخاصة به. يقترح ميرلو-بونتي أنه من الممكن بل من الضروري قراءة فرويد خارج النهج العلمي أو الوضعي، فضلاً عن كون ذلك مهمًا بالقدر نفسه لإنقاذ التحليل النفسي من براثن المثالية. ويزعم أن تهديد المثالية يزداد خطورة حين يصبح النهج أكثر مؤسسية: "يجب أن نسأل أنفسنا،" ما إذا كان من الضروري للتحليل النفسي - أعني لوجوده كعلاج ومعرفة يمكن التحقق منها - أن يبقى، ليس بالضبط مشروعًا سيئ السمعة أو علمًا سريًا، ولكن على الأقل تناقضا واستجوابا [...]، التحليل النفسي هو الذي أعاد لنا أساطيرنا. فماذا سيحدث إذا أخذ أبو الهول المروض مكانه بهدوء في فلسفة التنوير الجديدة؟ "

 مرة أخرى، يبدو أن ما استخلصه ميرلو-بونتي من فرويد هو شيء يقترب من "التناقض" أو "الأسطورة"، وهو شيء رغم أنه قد يكون "معرفة يمكن التحقق منها" إلا أنه مهتم بشيء أكثر غموضًا من "التنوير".

إن ما يحدده ميرلو-بونتي، أخيرًا، على أنه التحالف بين عمله والتحليل النفسي هو محاولة مشتركة لمقاربة معنى ليس مثاليًا بل تجريبيًا، وليس مفترضًا أو موحَّدًا، ولكنه ناشئ، ومتحول ورمزي بعيد المنال. كلناهما طريقتان تقرءان الجسد والتجربة الجسدية - ليس "الجسد المفيد والوظيفي والنثري" بل بالأحرى "الجسد البشري الذي يعيد اكتشاف وزنه الرمزي أو الشعري". بعبارة أخرى، لا يُقرأ "الجسد" بقدر ما يُقرأ "اللحم"، وهو الموقع الذي يلتقي فيه المرئي المادي مع "الوزن" غير المرئي للمعنى. لأنه كما رأينا، يشير اللحم عند ميرلو-بونتي إلى أكثر من الوزن المادي للجسد، إنه نمط معين من الكينونة، وشكل وبنية ليس فقط للواقع المرئي ولكن أيضًا للامرئي. يبدو أن ما يقترحه ميرلو-بونتي هو نوع من الأعراض الفينومينولوجية. قراءة لأسطح هذا العالم التي تؤدي إلى توضيح "عالم على هامش العالم الحقيقي ومضاد له، تاريخ معاش تحت التاريخ النافذ - عالم يُسمى الإضطراب".

إن هذا الانجذاب إلى العالم "على الهامش" هو ما يحدده ميرلو-بونتي باعتباره الأساس الذي يربط بين فكره وفكر فرويد: "إنه بسبب ما تشير إليه الظواهر أو تكشف عنه كحدودها - من خلال محتواها الكامن أو اللاوعي - الذي يتوافق مع التحليل النفسي [...] - فإن الفينومينولوجيا والتحليل النفسي ليسا متوازيين؛ بل الأفضل بكثير، أن نفهم أن كليهما يستهدفان الكمون والاستتار ذاته".

ومع ذلك، أود أن أقترح أن فكرة ميرلو -بونتي حول كيف وأين قد يكون هذا "الكمون والاستتار" أو اللاوعي، يعيد تشكيل مفهوم فرويد له. كما رأينا، بالنسبة لميرلو- بونتي، "الإدراك هو اللاوعي". وفي الحقيقة إن "ما يتوجب فهمه في "ما وراء الأشخاص" هو الوجودانيات التي نفهم وفقها الاشخاص والتي هي المعنى المترسب لكل تجاربنا الارادية واللا ارادية. وهو هذا اللاوعي الذي علينا أن نبحث عنه، ليس في أعماقنا ووراء ظهر "وعينا"، وإنما أمامنا بصفته تمفصلا لمجالنا. إنه "لا وعي" لأنه ليس موضوعا، وإنما هو ما به تكون موضوعات معينة ممكنة، إنه الجمهرة التي نقرأ بها طالعنا. إنه بين الموضوعات شأن ما تكون بين الأشجار المسافة الفاصلة التي بينها، أو كأنه مستواها المشترك، إنه الشركة الاصلية لحياتنا القصدية وهو تداخل الآخرين وأيانا وتداخلنا واياهم". بالنسبة إلى ميرلو-بونتي، هناك انزلاق بين الرؤية والعالم واللاوعي؛ يتحدون جميعًا في اللحم، حيث يلتقي الجسد الحسي، أو كما يطلق عليهaesthesiological، بالجسد الليبيدي، الجسد النفسي لفرويد.

يقول ميرلو-بونتي في (ثيمات من محاضرات في الكولوج دوفرانس، 1970): "فالجسد الذي يمتلك الحواس هو أيضًا جسد له رغبات وبالتالي يتوسع علم الحواس إلى نظرية للجسد الليبيدي. يتم تصحيح المفاهيم النظرية للفرويدية وتأكيدها بمجرد فهمها من حيث الجسدية التي تفهم بدورها، كما تقترح ميلاني كلاين، من حيث البحث عن الخارجي في الداخل والداخلي في الخارج، أي قوة عالمية وكونية للإندماج".

أعتقد أن هذا الاندماج العالمي هو الذي ينتج إحساس الغرابة الذي يظهر عند ميرلو-بونتي. يسمح لنا ميرلو-بونتي بإعادة قراءة ما وراء تصور فرويد الشهير لمصطلح الغريب أو غير المألوف unheimlich. يأخذ ميرلو-بونتي جميع عناصر فرويد عن الغريب ويعطيها ملمسًا جسديًا. هذا مرة أخرى هو جزء من "الجانب الأكثر صعوبة" في أنطولوجيا ميرلو-بونتي الذي يتضمن علاقة الفكرة باللحم. ولكن "أيا كانت الطريقة التي نتوصل بها أخيرا إلى فهم هذه العمومية المحدثة، فإنها تنتشر مقدما في مفاصل الجسد، وفي حواشي الأشياء الحسية، ومهما كانت جديدة، فإنها تتسرب عبر سبل تشقها وتجلّي آفاقا لم تفتحها". الأفكار هي تلك المفاهيم " التي لا مثيل لها والتي لا تواصل في ليل الفكر حياتها السرية إلا لأنه قد تم كشفها في مفاصل العالم المرئي".

هذا الجمع بين "ليل الفكر" و "العالم المرئي" من خلال الجسد يعيد التوفيق بين القطبين المفاهيميْن، وفي مقاربتها الآن من خلال شكل اللاوعي والإدراك، فإنه يكشف بسهولة أكبر عن الطرق التي قد يستحث بها إحساسًا بالغرابة.

يصف فرويد الغريب بأنه "ذلك النوع من الرعب والهلع الذي يرجعنا إلى ما كان معروفًا قديمًا ومألوفًا لفترة طويلة." في محاولة لفهم الغريب بشكل أكبر، يستخدم فرويد أيضًا وصف شيلينغ للمصطلح بأنه يشير إلى "كل ما يجب بالضرورة أن يبقى سرا ومخفيا لكنه ظهر".

إن عودة ظهور المستور في (غريب) فرويد هو عودة ظهور ما كان قد تحول إلى لا وعي، بمصطلحات النفس أو المعتقدات الثقافية. وهو يدعي أن "لغريب يعيد المرء إلى المفهوم القديم الروحاني للكون. تميز هذا المفهوم بفكرة أن العالم كان مسكونا بأرواح البشر، وبمبالغة الذات النرجسية في تقدير عملياتها العقلية؛ وبالإيمان بالقدرة المطلقة للأفكار وتقنية السحر القائمة على هذا الايمان[...]؛ وكذلك بكل المخلوقات الأخرى التي سعى الإنسان بمساعدة منها، في النرجسية غير المقيدة لتلك المرحلة من التطور، إلى درء ظهور الممنوعات للواقع".

الغريب بالنسبة لفرويد، في أحد مظاهره الرئيسية، هو الفكرة النرجسية الأساسية التي ترى أن الأفكار والوعي وقوة العقل قد يكون لها أي تأثير أبعد من /أو خارج عقل الذات الفردية. ومن المثير للاهتمام، أن هذه المفاهيم على وجه التحديد، التي رفضها فرويد باعتبار أنه قد عفا عليها الزمن، هي التي يتبناها ميرلو-بونتي، لأنها بالنسبة له تصف طبيعة الخبرة الحسية قبل الإدراك المعرفي.

وهكذا، حتى في أكثر لحظاتها مادية، تتبنى فلسفة ميرلو-بونتي جوانب من الغرابة. وما أجده مثيرًا للاهتمام هنا هو الطريقة التي يتحول بها مفهومنا عن الذاتية والوعي في ما يقترحه ميرلو-بونتي. الوعي هنا هو قوة لها تأثير خارج حدود الجسد. لا يتعلق الأمر فقط بأني أستطيع أن أتخيل أن أكون في مكان آخر، ولكن هناك تبادل فعلي للخبرة الحسية. ذلك الذي ربما يكون ما نطلق عليه التخاطر.

في (رؤوس الأقلام) في (المرئي واللا-المرئي )، يربط ميرلو-بونتي التخاطر بما يسميه "السحر في التحليل النفسي (اللاوعي)". وبشكل حاسم، يذهب مرة أخرى لربطه بالرؤية. يأتي مفهوم التخاطر من حقيقة أن "إن التباينات الجسدية[....] هي نقطة ملتقى اللذاته وللآخر. أن يكون لك جسد هو أن تكون منظورا إليك، ليس ذلك فحسب، بل أن تكون مرئيا. ههنا، الإحساس بالتخاطر وبالتخفي = حيوية في القراءة الخاطفة لنظرة الآخر". في ملاحظة لاحقة، يوضح: "إدراك جزء من جسدي هو أيضًا إدراكه كمرئي، يعني ككائن للآخر." ثم يقول: "لكن واقعة حضور الآخر تلك لن تكون ممكنة هي ذاتها إذا لم يكن الجزء من الجسد المعني مرئيا مسبقا وإذا لم تكن قد وجدت حول كل جزء من الجسد "هالة من المرئية".إنها حضور المداهم والكامن أو المتخفي". هذا الحضور للكامن، هذه الرؤية من حيث المبدأ، هو ما يؤدي إلى ما نسميه خبرة التخاطر.

" نحن نشعر بأنه ثمة من ينظر إلينا (الرقبة الساخنة) ، ليس لأن شيئا ما ينتقل من النظر إلى جسدنا ليحقنه في النقطة المنظور إليها، ولكن لأن الإحساس بالجسد هو كذلك احساس بمرآة لدى الآخر. يجب أن نبحث هنا بأي معنى يكون إحساس الآخر متضمنا في احساسي". بالنسبة لفرويد، فإن الإحساس بالتخاطر يأتي من تخيل شخص آخر تتجه نظرته إلى الذات، والذي يشعر بتأثيره في أعماق اللاوعي. وفي حين أنه يناقش التخاطر فيما يتعلق بالغرابة، يتم وصفه على أنه أثر متبقي في اللاوعي لحالة عقلية سابقة بدلاً من جانب خارجي للإدراك. على النقيض من ذلك، بالنسبة إلى ميرلو-بونتي، ينبثق التخاطر من حقيقة رؤية قبلية تحيي وجود الذات والآخر والعالم؛  إنه نتيجة لحقيقة أن الوجود يتم تعريفه من خلال طي تلك الرؤية على نفسها.

مرة أخرى، نرى ميرلو-بونتي ينقل ما نفهمه على أنه اللاوعي إلى عالم الوعي الإدراكي. كما رأينا، فإن هذا الجمع بين هذه المفاهيم المتباينة داخل أنطولوجيا اللحم هو الذي ينتج مفهومًا جديدًا للوعي. لا تؤدي قراءة ميرلو-بونتي إلى إحساس الغرابة الفرويدية فحسب، بل تُصبح هذه الغرابة مركزية في الانطولوجيا الخاصة به؛ "كل ما يجب أن يبقى سرًا وخفيًا" يصبح متخارجًا، متغلغلا في المرئي. إن السمات الأولية أو الروحانية التي تم إنزالها إلى اللاوعي بالنسبة لفرويد، هي بالنسبة إلى ميرلو-بونتي ظاهرة حية، ليست في المقام الأول "مخفية" ولكن موجودة بالفعل في العالم. يقتحم اللامرئي، اللاوعي، الفضاء الذي يتجاوز التمثيل، مستوى المدرَك.

مقاربة ميرلو-بونتي الفينومينولوجية هي، بطريقة ما، فلسفة متأخرة. "كانت موجودة كحركة قبل أن تصل إلى الوعي الكامل بنفسها كفلسفة". كما أنها تحمل في صميمها بنية التأخير، والاضطرار إلى إعادة الاتصال بخبرة تم نسيانها. إنها "فلسفة يكون العالم فيها " موجودًا بالفعل "قبل أن يبدأ التفكير". لكن عمل الاسترداد هذا، بعيدًا عن أنه يشكل تراجعًا أو تكرارًا، يتم تفعيله بشكل متناقض من خلال فعل التعبير الإبداعي. أخيرًا، هذا الإحساس بالخبرة غير القابلة للتمثيل، هو الذي يوجد مسبقًا الفهم ومع ذلك يكافح من أجل الظهور في شكل فعال من التعبير، والذي يحفز الإحساس بالغربة. لا يُفهم الغريب هنا على أنه مجرد ظاهرة غريبة في اللاوعي بل جانب حيوي من تفاعلنا مع العالم كإدراك للذات. الغرابة متطابقة مع اللحم، وهذا النمط نراه يظهر "كضرورة تنشأ من [...] الإدراك". وهكذا يبث ميرلو-بونتي الحياة في الغرابة الفرويدية، مما يجعلها واقعا، ويكسوها لحما.

تعيدنا هذه المناقشة للعلاقة بين المرئي واللا مرئي في التعبير إلى تنظير ليوتار عن "غير القابل للتمثيل" فيما يتعلق بالحداثة وما بعد الحداثة حين يقول: "سأسمي الحداثة الفن الذي يكرس" خبرته الفنية الضئيلة "[...] لتقديم حقيقة أن غير القابل للتمثيل موجود".

على النقيض من ذلك، فإن ما بعد الحداثة هي التي تعرض ما لا يمكن تمثيله في العرض نفسه؛ ذلك الذي ينكر على نفسه عزاء الأشكال الجيدة، إجماع الذوق الذي يجعل من الممكن المشاركة بشكل جماعي في الحنين إلى ما لا يمكن بلوغه؛ الذي يبحث عن عروض تقديمية جديدة، ليس من أجل الاستمتاع بها ولكن من أجل إضفاء إحساس أقوى بما لا يمكن تمثيله.

يمكن قراءة ميرلو-بونتي، في هذا المخطط، على أنه ما بعد حداثي، لكن من المهم ملاحظة عناصر ما يسميه ليوتار "الحداثية" المتبقية. إن وصف ليوتار لفعل الابداع ما بعد الحداثي الذي يعمل فيه الفنان والكاتب دون قواعد من أجل صياغة قواعد ما سيتم فعله، يعكس بالتأكيد وصف ميرلو-بونتي للفنان الذي يبني نفسه، ويبتكر طرقًا للتعبير، وينوع نفسه وفقًا لمعناه الخاص. ومع ذلك، بالنسبة لميرلو- بونتي، فإن "وحدة الوعي" لا "تتضرر بشكل خطير" من خلال إعادة الصياغة هذه بالطريقة التي يتصورها ليوتار. بدلا من ذلك، فإنه من خلال عملية إعادة ابتكار إبداعية بالتحديد يُظهر الوعي بعض المنطق التنظيمي المتأصل؛ إنها "[تنوع] نفسها وفقًا لمعناها الخاص"، "حتى لو كان الوصول النهائي لهذا المعنى، كما في وصف ليوتار لبروست،" مؤجلًا باستمرار". وهكذا يحتفظ ميرلو-بونتي بإحساس ما بـ" العزاء أو المتعة" بالإضافة إلى السعي نحو نقل "إحساس أقوى بما لا يمكن تمثيله". التقارب بين الأفكار غير القابلة للتمثيل والتمثيل ممكن من خلال طبيعة الوعي المتجسد، الذي تُرادف ادراكاته الجسدية الفكر. وهكذا، في التعبير، يتم توصيل غير القابل للتمثيل من خلال إعادة البناء الإبداعي للشكل المادي: يتم إعطاء معنى الكتاب، في المقام الأول، ليس من خلال أفكاره بقدر ما يتم من خلال تغيير منهجي وغير متوقع لأنماط اللغة أو السرد أو الأشكال الأدبية القائمة. الفكرة ليست شيئًا موجودًا في حد ذاته، بشكل منفصل عن عالم المظهر، ولكنها شيء يتم إنشاؤه داخل الإدراك، وينبثق من ارتباط العناصر المحسوسة والمدركة. ما هو غير قابل للتمثيل يسكن مخطط التمثيل، سواء كان حاضرًا لنا أو لا يمكن الحصول عليه، وحين يصبح معروفًا لنا بشكل غير مباشر نفهم ما الذي تعنيه بالضبط فكرة أن الحواس أكثر صدقًا من التفكر.

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة